فاطمة الزهراء's profileنصوص فاطمة الزهراء الرغي...PhotosBlogListsMore Tools Help

نصوص فاطمة الزهراء الرغيوي

لماذا أكتب؟

فاطمة الزهراء الرغيوي

Location
لماذا أكتب

أكتب..
أريق الحبر على ورق أبيض
ألطخه بحبر أزرق

أكتب..
أشكل الغيوم
سحابة هنا.. سحابة هناك
أنقش ذاكرتي على سطح الماء

أكتب..
كلماتي ليست حروفا مرتزقة
هي سليلة مجد عتيق..
أنتقيها حرفا.. حرفا
أرتبها.. اجندها
ثم ألقي بها إلى بحر الكلمات

أكتب..
إن التاريخ سيذكرني..
أنجبت آلاف الكلمات
و أنشأت سلالة جديدة..
تخلد الروح بالأحرف

أكتب..
إنني.. أنا.
موجودة البارحة واليوم و.. غدا.
April 16

رجل لامرأة أخرى

 

بدت الحرية بسيطة، أن تترك النافذة وتتوجه إلى الباب، تفتحها ولا تبالي بإعادة إغلاقها، تنزل الدرج وتعبر الشارع المزدحم بالآخرين، تلج البناية المقابلة، تصعد الدرج هناك.. ثم، تقف أمام الباب الموصد ودون أن تهتم باسترجاع أنفاسها أولاً، ترن الجرس بإصرار.

 

كان الرجل خلف النافذة الأخرى، يجلس أمام طاولة تتوسط الغرفة، ويشكل بيديه قطعة طين. تراه بوضوح من خلف زجاج منظارها، يغطس يديه في إناء الماء ويعود إلى القطعة، يغرس فيها أصابعه أحيانا وأحيانا أخرى يمررها فقط في مداعبة ناعمة ودافئة.

 

كانت تشرب فنجان القهوة حين انسكب المشروب على الستارة البنية. سارعت إلى إزالتها لكنها انشغلت بمراقبة الرجل الذي يشكل الطين، فلم تنظفها. في الشقة المقابلة لم تكن هناك ستائر تحجب الرؤية، بيد أنها لسبب ما لم تلحظ غيابها إلا حين انكب جارها على قطعة الطين محاولا خلق وجه ما.

 

تعرفت على شكل الرأس، إذ انغرست أصابعه وشكلت خصلات شعر مشاغبة تستقر أطرافها على أرضية الحامل. فكرت حينها، مرة أخرى، أن تتوجه إلى الباب وتنزل الدرج وتقطع الشارع المزدحم ثم تصعد إليه. حين يسمع صوت الجرس، سيغسل يديه بإناء الماء الذي بجانبه، سيتناول الفوطة المعلقة على ذراع الكرسي، ويذهب ليفتح لها. ستنزع مشبك منديلها، وتريه شعرها الذي يشبه الخصلات التي استقرت على أرضية الحامل. ستخبره أنها عبرت الشارع إليه لتمنحه وجهها  ليضعه على قطعة الطين.. علّها تحظى بقَدَرٍ آخر.

 

.. لكنه إذ تحرك مبتعدا عن قطعة الطين أثناها عن فكرتها. عندما وصل الباب، رمى بالفوطة على كرسي قريب، وفتحه. تتبعت حركاته الفرحة بقدوم الطارق الغريب والذي لم تتمكن من رؤيته بوضوح.. ثم إذ تذكرت الستارة البنية، فكرت أن تغيرها، ربما بستارة محملة بالفراشات وزهر البرتقال. ربما تضع أمامها مزهرية وتضع لطائر عابر بعض الحب على طرف النافذة...

 

لكنها اكتفت بتنظيف الستارة البنية جيدا و تثبيتها بمشبك على حبل الغسيل، ثم عادت إلى مكان مراقبتها.. خلف النافذة المقابلة، كان المكان فارغا إلا من وجه طيني يشبه امرأة أخرى.

 

 

 

حب أيسر

 

لأنه انتشلها من بؤس حياتها الرتيبة، أحبته. كان ودودا جدا، يلون لها وردا على السحاب العابر في يوم خريفي ويبعث نغمات متقطعة في الصمت الذي يغلفها. كانت دروس الأبجدية التي تعلمها للأطفال في صفها غير كافية لتلقي ببعض الرتوش الدافئة على حياتها. كان الصغار ينتظرون منها أملا ما وكانت تحاول البحث عن زاوية تمكنها من رؤية نصف الكأس المليء.. لذا صدقت أنه مميز جدا، لأنه ذات مساء، إذ بللت وجنتيها بدموع مستحقة، توقف ليسألها إن كانت بحاجة إلى ذراع تسندها. كان الألم يعتصر صدرها دون رحمة، لكنه عندما ضمها إليه بقوة، تلاشى وتحول إلى شعور غامر بالدفء.

بدت لها العلاقة احتمال جدي للهروب من دروس الأبجدية ومن مشوار الحافلة الذي يمتد ساعة ذهابا وإيابا إلى الحضانة، ومن والديها العجوزين والأميين، وزوجة أخيها التي تأخذ دوشا كل صباح بكثير من التبجح.. كانت لها أسباب واضحة لترغب بالهروب مثلما فعل خطيبها الذي ركب ذات مرة البحر شمالا، ثم اختفى.

كانت تتذكر الدرس الأول في الفلسفة، مركزية السؤال في البحث عن الحقيقة. لكنها إذ ضمها، تجاهلت أمر الأسئلة وشهادتها الجامعية وما تعرفه أو تجهله. وكانت تكتفي بابتسامة حين يبادر إلى حديث مطول عن الله والحب والوطن. لم تصدق حديثه لأنها لم تتساءل. عندما عادت إلى المنزل، لم تغتسل، ولم تبتسم بتبجح في وجه زوجة أخيها، ولأمها التي سألتها ككل مساء هل من جديد، اكتفت بإيماءة محايدة.

أمام طبيبة النساء، التزمت الصمت أيضا. لأن الطبيبة أجابت عن أسئلة لم تطرحها، ثم سلمتها بيد باردة وصفة الدواء. تعمدت هي أن تقصد صيدلية بعيدة عن مسكنها وعملها.

في المطعم، شعرت بغيرة لم تشأ أن تعترف بها تماما، تجاه النساء الأخريات، اللواتي كن يستعرضن أزواجهن بفخر، ربما هناك من يمثلن مثلها، فكرت متشبثة بالورود الملونة على السحاب.

كان هو يأكل بشراهة، متجاهلا النظرات المتربصة بهما، حتى عندما بادره قريب له بالتحية، لم يرتبك، بينما حاولت هي جاهدة أن توقف تصاعد حمرة الهلع إلى وجنتيها.

تناولت الشوكة باليد اليسرى، محاولة ادعاء عدم الاهتمام. كانت تعرف أن الأكل هو ضرورة للبقاء. حضنه الدافئ أيضا ضرورة للبقاء، أو هو على الأقل زاوية محتملة للرؤية إلى نصف الكأس المليء. لم تحدد تماما إن كانت ترغب في الحياة، أم أن خلاياها أصدرت الأمر، وإذ أضربت يمناها وظلت جامدة تحت الذقن، تجاوبت يسراها فامتدت إلى الشوكة وبدأت بالتقاط الطعام.

لكنه تصدى لها:

-         قولي بسم الله الرحمن الرحيم، وتناولي الطعام باليمنى..

للحظات بقيت يسراها عالقة بينهما. لم يكن قد بسمل قبل أن يقبلها ويضمها بشوق.. وضعت الشوكة، تناولت حقيبتها، أخرجت منها حبوب منع الحمل ووضعتها على طبقه، ثم غادرت..

 

October 14

السيجارة الأخيرة

 

لف سيجارته الأخيرة بأصابعه المصفرة عند الأطراف، بعناية ثم وضعها بين شفتيه. أخذ نفسا عميقا بعد أن أشعلها تاركا الهواء الدافئ يتغلغل في صدره المتعب.

 

كان واقفا تحت شجرة اللوز العملاقة، يتأمل حقله الذي يمتد نزولا أمامه إلى أسفل الوادي حيث جف النهر منذ شهور عدة. لقد أوشك على إتمام عمله: حرثَ الأرض ووضع السماد، لم تتبقى سوى عملية الزرع وسينتظر بعدها هطول المطر. لم تبد فوق الجبل المقابل تباشير رياح الغربي. غير بعيد، كانت زوجته تلم الحطب بدون كلل بينما يحرس صغيريهما الغنم.

 

تذكر أوامر الطبيب، لا سجائر بعد اليوم، لا تعب.. وعلاج سريع ومكلف لاستئصال المرض.

 

هب واقفا، تناول الكيس الذي بجانبه ووفق خطوط متوازية ومسافة متماثلة، بدأ بزرع حبات التبغ.

 

 

 

ليلة سعيدة

 

كنتَ جالسا هناك، ربما أمام مكتبك تتطلع إلى شاشة الحاسوب ببعض الفتور، تضع شبشبا ليدفئ قدميك، وبين حين وحين تمسد شعرك، تتناول شرابك وتفتح نافذة وأخرى، حين رقنت الكلمتين دون خطأ إملائي ودون نقطة نهاية..

 

وكنتُ حينها أسترق السمع إلى ضوضاء قلبي الغير المعتادة. وكان هو يسترق السمع إليك فلا يصله إلا الصمت. لا أذكر أي ليلة كانت تلك الليلة، فأنا أتجاهل منذ ابتعدتَ كل الأجندات.. لست معنية جدا بعدّ الأيام التي تبعدني عنك.

 

حاولت أن أعتبر انفصالنا حدثا عابرا. ابتسمت قدر ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وحين جافاني النوم وضعت اللوم على حالة الطقس أو فنجان القهوة الذي شربته عصرا.

لم أتصل بك مرة أخرى، فقد أضربت أصابعي عن تركيب الرقم إذ تجاهلتَ مجهودها وأناقتها وهي تنتقل بخفة على لوحة الهاتف لتركبه.

 

إذاً رقنتَ الكلمتين بيقين مطلق وببرود تام.

ربما تناولت كأسا بعدها ثم استسلمت لحلم سعيد. ربما تناولت هاتفك وركبت رقم امرأة أخرى..

 

أنا أيضا استسلمت للنوم ليلتها. رتبت فراشي كالمعتاد، تناولت أوراقي البيضاء ثم تجاهلتها. أطفأت النور ثم وضعت رأسي على راحة كفي الأيسر ونمت.

في اليوم الموالي تناولت فنجان قهوتي المعتاد وقد كان مرا كالعلقم، تناولت قطعة حلوى لكنها كانت مرة أيضا. استسلمت أخيرا وتجاهلت البحث عن متعة في الأكل واكتفيت بالتهام الطعام لكي أبقى..

 

أنت جالس أمام حاسوبك، تضع علامة "المشغول" على نافذة الميسانجر.. تعبث بلوحة المفاتيح، تحاول إكمال نص ما. .

 

أنا، أبقى هنا.. أبقى فقط. آكل لأبقى. أتنفس وأشرب وأتغطى جيدا اتقاء نزلة برد، فقط لأبقى.. لأن الحياة بدون حب هي مجرد بقاء.

 

ستقول ربما، إنك غير معني بهذا الحديث. ستتجاهل الرسالة الواردة في بريدك الإلكتروني. وقد تتحمل كتابة الكلمتين الغبيتين، وكأن السعادة يقين مطلق:

-         ليلة سعيدة

 

سأفكر أنا، بليال أخر..

لم يعد ساعي البريد يضحك

 

 

-         أُصمت،  أطفئ ذاك الجهاز اللعين! صرخت بأعلى صوتي..

كان صباحا طويلا روتينيا ومتعبا.. كالعادة أعمال البيت وغسل الملابس والطبخ.. والضجيج الصادر عن غرفة وحيد الذي يحاول أن يصبح موسيقيا.. ثم هذا الطرق على الباب. توقفت أمامه لحظة أسترجع هدوئي قبل أن أفتحه. كان ساعي البريد يمد لي رسالة مسجلة..

بدا شابا في أواسط العشرين.. أخرج دفتر التوقيع من محفظته بعد أن تأكد من هويتي. لم يكن يضحك كالحاج سعيد الذي كان يسلم لي الرسائل خفية من والدي وشقيقي.. كان الحاج صديقا لكل شباب الحي وكاتم أسرارهم.. يتنقل بحيوية من بيت لآخر.. يقبل بابتسامة ممتنة كأس اللبن البارد من جارتنا ثم يقرأ لها رسالة ابنها المهاجر. كان ينقل الأخبار الحزينة والمفرحة، ولكنه كان يأتي خاصة برسائل الحب.

-         كبرت أيتها الشيطانة وأصبح لك حبيب، هه؟

علت الحمرة وجهي بينما خبأت الرسالة بين ثيابي..

-         غدا أعطيك الجواب؟

-         ..وألف قبلة وإلا سأفشي سرك.. ثم غادر ضاحكا بينما ازدادت حمرة وجهي.

هذا يوم مميز، فكرت وأنا أوقع في الدفتر. عليّ أن أكمل التنظيف وباقي أعمال البيت بسرعة، ثم أغتسل وأذهب إلى الصالون لأصفف شعري. يجب أن أكون في كامل أناقتي وأنوثتي حين يعود أحمد من سفره. سأطلب منه أن نعيد لزواجنا لمعان البداية.. علينا أن نحاول فقط.. مازال تحت الرماد نار تنتظر أن تشتعل من جديد.. لي الآن من سعة الخاطر ما يكفي لأحب أحمد الكاتب المعروف كما أحببت أحمد المراهق صديق أخي الأكبر.. أعلم أنه يحتفظ لي بمكانتي الخاصة رغم أنه يسافر وحيدا إلى لقاءاته ومحاضراته. لكنه يعود إلي لألهمه أو ليستشيرني بخصوص نص جديد.. وليرتاح من مظهر الكاتب المعروف. حالما أنهي كتابة تعليقي على هامش نصه، يتهرب من قبلتي وينغمس في الكتابة ثم بعد يومين أو ثلاث يعاود مشاوير السفر.

حان الوقت لنجدد حبنا، فكرت وابتسامة تعلو وجهي.. وحيد كبر الآن. يستطيع تدبر حاله في غيابنا. سأعاود الكتابة. أفكار كثيرة تشغلني.. أشعر بالإثارة. لي شوق للكتابة ولأحمد ولحضور الملتقيات والسفر..

-         شكرا، قلت لساعي البريد ذي الوجه الصارم المتعب.

 أخذت رسالتي إلى الشرفة مبتعدة عن صخب وحيد. جلست على الكرسي الهزاز.. تعرفت على خط أحمد منذ الوهلة الأولى.

-         أحبكَ، أحبكَ.. كنت أصرخ عاليا، مهللة.

وكان ينظر إلي بابتسامة واسعة.. ثم تأتيني كلمات حبه كتابة.. أحمد لا يجيد الكلام. لكنه يخط  كلمات العشق بسحر استثنائي بعيدا عن سوداوية رواياته.

تمهلت في فتح الرسالة، أستلذ بلحظة انتظار إضافية.. لابد أنها آخر رسالات الحب التي يسلمها ساعي البريد. ربما لم يتصور أنها رسالة حب. لم يعد أحد يبعث برسائل الحب عبر البريد، ولم تتبق للساعي صفة كاتم الأسرار أو كاشفها حسب مزاجه.. أصبح الانترنيت والهاتف النقال يقومان بالمهمة بسرعة مذهلة وبسرية فائقة.. انحصر دوره في نقل الرسائل المحملة بالفواتير وكشف الحساب  البنكي وأحيانا المنشورات التجارية.

فتحت الرسالة ببطء، و.. لم تكن كسابقاتها تبدأ بالعبارة الساحرة: مُلهمتي.. أعدت قراءة الرسالة مرتين. ثم توجهت إلى المطبخ لأعد لي فنجان شاي.. لم يعد هناك داع للاستعجال بأشغال البيت.. وضعت الرسالة على الطاولة.. كنت قد علمت لمَ لمْ يعد ساعي البريد يضحك.

حياتي

                        

الحياة..

أن يدخل الهواء جوفكِ فيخرج محملا ببعض أحلامك

أن يخفق قلبكِ فيضخ فيك ألما..

 

الحياة..

أن تشرق الشمس آلاف المرات ولا تلاحظينها، ولا تكتبين لها قصيدة غزل

أن تتراص النجوم خلف نافذتك ولا تزيحين الستارة لتردي التحية..

 

الحياة..

أن تروي الحكاية.. فلا تصدقينها

أن ترفعي القلم لتكتبي، فتتسطر الحروف أمامكِ كلمتين وعلامة استفهام.. لماذا أكتب؟

 

الحياة..

أن يغير القلب نظامه، فيخفق بشدة لصوت قادم عبر الهاتف

أن يتوقف الصوت القادم عبر الهاتف فيغير القلب نظامه مرة أخرى ويعلن العصيان..

 

أن تتألمي وتنكسر أمواج الفرح على عتبة عينيكِ، تصرخين.. فلا يسمعك أحد..

 

أن تبكي ولا تنزل دموعك.. وتبتسمين فتنهمر طويلا..

أن تحزني في عيد ميلادك وأن تتذكري أن لا أحد تذكركِ..ثم تتذكرين أنك طلبت ممن تذكروا أن يتناسوك..

 

الحياة..

تصلين الأربع ركعات والنوافل، وتنسين في نهاية الصلاة دعاءكِ

وتعلقين صورتك على زجاج النافذة وينساك الأحياء والأموات الذين كانوا يزرعون أحلامك زهرا..

 

 

تدب الحياة في خلاياكِ، ترتعش أطرافكِ، يطول شعركِ.. وتظلين هناك تشاهدين جسدكِ يعيش وحده..

تئن عقارب الساعة، فتنتزعيها من مأزقها وتمنحيها عطلة مفتوحة الأجل.. فتكتشفين أن الساعة أنجبت عقارب أخرى تظل تئن..

 

الحياة..

أن ترقد أمك جسدا هامدا أمامكِ، ولا تعرفين لم منحك الله تلك الهبة ليسلبها منكِ..

أن تلملمي شعرك عن جبينك وتعدين الخطوط هناك، التي هي تماما بعدد موتاكِ فتكتشفين احتمالات خطوط جديدة

 

الحياة..

يموت من تحبينهم فتقولين إنه أمر عادي وحتمي

و تظلين حية، فتستغربين،،،

                                  ألم يحن أجلكِ بعد؟؟؟

 

May 07

نافذة

فسحتها الوحيدة، نافذة بشباك حديدي.. تعودت أن تقف أمامها لساعات طوال رغم اعتراض أبيها.. يأتي صوت الجدة، حادا:

-         هل نادى المؤذن على الصلاة؟

-         باقي.. تجيب بصوت غائب

 

وتواصل وقوفها هناك.. تخشبت رجلاها.. تغير زاوية الرؤية.. تلتفت إلى يمين الشارع.. تتابع حركة المارة، وتستنتج آخر أخبار الجيران..

 

منذ منعها والدها من متابعة الدراسة قبل سنوات، قلّت فرص احتكاكها مع الناس.. بالكاد تخرج مرة أسبوعيا للذهاب للحمام..

تلك الجارة كانت حاملا قبل أسبوع.. وهاهي تنزل من سيارة الأجرة برضيع بين يديها.. وصديقتها نورة التي تلتقي بها في الحمام، قد غادرت للتو لملاقاة حبيبها.. وعدها أن يتزوجها الصيف القادم..

 

هي، كانت تتوقع زيارة من أهل ابن البقال، لكنه أتى بعروس من قريته قبل شهرين.. أخبرتها نورة أن العروس صغيرة جدا ولا تعرف شيئا من أشغال البيت ولا ال....

 تحطم فؤادها حين دقت الطبول وارتفعت الزغاريد من بيت المجاور.. كان يشير لها بيده كلما وقفت أمام النافذة وكان أبوه غائبا.. بالكاد يرفع نظره حاليا، يساعد أباه بنشاط أكبر.. نورة نقلت إليها خبر حمل العروس..

 

-         أريد أن أشرب..

سحبها صوت أخيها الأصغر من تأملها، جلبت كأسا وملأتها.

-         ارفعيني لأنظر..

-         اذهب وشاهد التلفاز...

 

لكن الطفل يتشبث بثيابها.. يهددها بإخبار والدهما بوقوفها هناك.. تأتي بكرسي وترفعه فوقه.. ثم تتابع فرجتها.. تلك الجارة اشترت جلبابا جديدا، منذ "حرق" ابنها لأوروبا تحسنت أحوالها. يمل الصغير ويغادر منصة المشاهدة.. وتبقى هناك، تلتفت إلى الجهة الأخرى.. وتراه قادما.. هو ليس من الجيران. لم تره سابقا. أمعنت النظر إليه.. هو ليس متزوجا.. لا حاجة للبحث في يده عن خاتم، الفقراء لا يضعون خواتم الزواج.. شيء ما فيه أوحى لها بأنه عازب.. ربما تنسيقه لثيابه أو شعره المرتب.. لم تسعفها المسافة الفاصلة لترى وجهه بوضوح، لكنه بدا أكبر منها بسنتين أو ثلاث.. لقد اقتربت من الثلاثين، تزوجت شقيقتها الأصغر الصيف الماضي..

 

تزعجها نظرات الشفقة من الجارات في الحمام والكلام الجارح لزوجة أبيها..

 

لابد انه يعيل أمه وشقيقين.. لا مانع لها، ستقبل أن تخدمهم كما تفعل مع إخوتها وجدتها وزوجة أبيها.. معه سترزق بطفل أو اثنين لا أكثر.. تريد أن تربيهما جيدا وتعلمهما..

 

لم يرفع نظره إليها.. انشغل بكيس أسود يحمله... أشفقت عليه من ثقل الكيس.. ربما هو بائع متجول.. لا بأس، ستصبر معه إلى أن يرزقه الله بعمل أفضل... زوج خالتها كان مجرد مساعد بائع ثم اكترى الآن متجرا صغيرا في السوق وتحسنت أحوالهم مذ ذاك.

 

تقدم قليلا.. ثم توقف أمام حاوية القمامة، وضع الكيس الأسود، ورفع غطاء الحاوية.. رفع جسده  وانحنى قليلا داخلها يبحث في مكنوناتها..

 

ترقرقت دمعة في عينيها، بينما أخرج علب كولا ووضعها في الكيس وعاد يبحث في الحاوية.. راقبته ينقل غنيمته إلى الكيس ثم وهو ينطلق مبتعدا..

 

رأته يختفي تماما من أفق نافذتها، تراجعت تمسح دموعها.. أفزعها الصوت الجهوري لوالدها:

-         ألم أمنعك من الوقوف هناك؟ سأغلق تلك النافذة.. ويارب تموتوا خنقا..

 

أكمل صراخه ووعيده بينما هربت لاجئة إلى الغرفة التي تتشاركها مع جدتها.. ارتمت في الحضن الكبير واستسلمت للبكاء.. 

 

 

May 01

حالة سقوط

 

قلتُ: بسم الله.. الرحمن الرحيم.. ثم قدمت رجلي اليمنى.. تماما كما يجبُ..

لفحني تيار هواء بارد، تغلغل إلى مسامي كلها. أغمضت عيني.. لوهلة فقط. فتحتهما لأرى..

 

لا أذكر ما الذي أتى بي إلى هنا.. حاولت أن أتذكر، دون جدوى.. أي اسم أحمله، أي تاريخ أمتلكه، ما الدافع للحظة العبور هاته؟

 

تخلت عني الذاكرة.. حاولت أن أفكر بعقلانية، هل لخطوتي هذه أهمية، هل ستخلدني. ربما تطهرني من ذنوبي.. أو أنها تكون خطيئتي الأكبر؟

 

لم يسعفني ذراعي المتهاوي لأرسل تحية لطائر اعترض مساري.. قاومت انجرافي، ورسمت له في مخيلتي مكانا في الفردوس..

 

تذكرت.. لوحاتي على الرصيف .. ابتسامة دون وجه، جدول بدون ماء..

 

قال لي متعهد ما:

-         أرسم لوحات الفنتازيا والفلكلور.. نساء تقليديات ووجوه ملوحة بالشمس.. هذا ما يطلبه السياح..

 

لكن الريشة كانت تأبى أن تطاوع جوعي.. مذ أصابتني باللعنة وأنا أعيش على الهامش.. كل ذنبي أني أردت تخليد الوجوه الكئيبة لسكان المدينة على أسوارها.

 

والدي الفقيه الذي يصلي بالناس، الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، استنكر تعلقي بالألوان.. وأعلن رسوماتي حراما ورذيلة..

 

تعلمت أن أخبأ ألواني كما يفعل أخي الأكبر بمجلاته التي تعرض أجساد النساء.. والدتي توفر لي من مصروف البيت ثمن ورقة الرسم:

-         كفاك رسما على الحيطان..

وأتعلم أن أقترف خطيئتي بصمت على السطح بينما تنهمك هي في غسل الثياب..

-         الله يتوب عليك يا بني من هذا الرسم.

 

 وعندما ضاق بي السطح، لجأت إلى المدينة الكبيرة علها تتستر عليّ كما فعلت مع بنت الحاج أحمد التي زنت مع بائع الذهب. المدينة الكبيرة تصيبني بالرهاب.. ترعبني السيارات الكثيرة والمارة المستعجلون.. بالكاد أغادر المحطة حيث رمت بي الحافلة.. أستوطن هامشا فيها.. أراوغ الشرطي، أقدم له لوحة هدية فلا يراني إلا حين يأتي رئيسه.. أرسم وجوه العابرين وأحذف منها العيون التي لا تراني.. أتشارك المسافرين وجباتهم الخفيفة، ألتقط ما يخلفونه فوق طاولات المطعم.. المدينة الكبيرة تمنحني الحب.. رأيتها تنزل من الحافلة مثقلة بالحقيبة، أخذت منها الحقيبة، وحين همت بوضع مبلغ ما في يدي، رجوتها أن تسمح لي برسمها..

 

اللوحة الكاملة.. بحثت كل يوم عن تفصيل جديد وزاوية أخرى لأجل عينيها.. يوم أهديتها تحفتي، قالت بصوتها الناعم:

- شكرا عزيزي، سأعتبرها هدية زفافي.. وأمام وجهي الخاوي من أي تعبير، أضافت، سأرسل لك الدعوة.. عليك أن تحضر سأعرفك بأشخاص يساعدونك..

أنا وقتها لم أرد غير بعض الحب.. حملت ريشاتي وألواني وهجرت المدينة إلى مدينة أخرى، ومذ ذاك احترفت الهروب.. من هامش إلى آخر..

 

هربت طويلا، واختزلت معالم الوجوه على لوحات خلفتها في المحطات التي عبرتها..

 

والآن.. اختفت كل أشكال المدينة.. وحدها الألوان البهيجة ترافقني.. كأن قوس قزح قد امتد ليلفني.. أحاول أن أمد يدي المتهاوية لألمسها.. فتبدأ بالتلاشي.. وحده لون أخضر يبقى.. يلفني تماما.. فأتذكرني طفلا أصبغ  بعصارة نبات من حديقة أمي، وردا وزهرا على حائط البيت..

 

أتذكرني، سعيدا، جميلا... أبتسمُ.. وإذ ذاك أرى الأرض تحتي قد اقتربت بينما أواصل سقوطي..

 .....

- انتهى-

April 22

ضحك وبكاء واعتراض

متى أضحك أخيرا؟

متى أستسلم لنوبة ضحك ترخي عضلات الوجه والقلب معا؟

وقد أنسى حينها للحظات وجع الفقدان والألم والخيانة والوحدة الموحشة؟ وربما لوهلة، أثناء استسلامي للقهقهة، قد أستعيد شيئا من طفولتي.. وربما أتذكر طعم القبلة الأولى.. او  يد والدتي الدافئة عندما كانت تمسد شعري..

لكن الضحك أصبح عملة نادرة في واقعي.. أحاول أحيانا، دون جدوى.

أقف أمام المرآة، و آمرني بالضحك.. بكلتا يديّ، أبعد شفتيّ.. وأحاول إخراج صوت قوي.. فلا أسمع إلا الصمت..

يبقى فمي مفتوحا إلى أن يؤلمني فأستسلم وأطبقه..أطبقه عن الضحك وعن الكلام..

 

أصرخ  كثيرا وطويلا.. جيراني حفظوا صوتي العالي وأعلنوا انزعاجهم.. لكنني تحديتهم.. أنا موجودة بينهم، لذا عليهم أن يسمعوا صراخي..

-         لا تفعلي، تردد جدتي بصوتها الأكثر صرامة.. الفتاة لا تضحك عاليا.. إنها تبتسم، فقط..

أضحك أعلى وأسألها:

-         لما؟

جدتي لم تكن تملك كل الإجابات. كانت تعلم فقط ، ما الصحيح وما الخطأ. وحين كانت تضيق علي نطاق حريتي بما يجب ولا يجب، كنت أصرخ عاليا.. لا.

لا.. كانت كلمة سهلة..  كنت أنطقها ببساطة تماما كما أسأل  " لما.. "

 

 وإذا توجب الأمر، كنت أبكي.. البكاء وقتها كان هينا أيضا.. كنت أترك الدموع تنساب كلما أردت.. يكفي أن أشاهد فيلما أو أن يرشقني أخي بكلمته المعتادة :

-         أنتِ طفلة مدللة

 .... بعدها أقهقه عاليا ساخرة من حساسيتي المفرطة..

الآن هجرتني الدموع .. أستغل أي مناسبة لاجتذابها .. لكنها تقاوم ..

" أجدني " الآن مفرغة من عواطف أساسية.. أنا التي أكره صفة الحياد..

وجودي أصبح مشكوكا به. فمقدم الحي رفض تسليمي شهادة السكنى، لأنه لم يتوصل بشكوى عني، والجيران يعتقدون أنني سافرت.. وحبيب سابق اعتقد أنني هاجرت..

وأنا مازلت هنا، في نفس الدار.. ألملم ما تبق من عواطفي، وإن كنت الآن..

لا أسأل.. ربما لأنني فقدت الإيمان بوجود أجوبة منطقية لكل شيء..

ولم أعد أعترض.. ربما لأنني " تركتني " أنجرف مع التيار..

ولم أعد أضحك.. لأنني فقدت القدرة على البكاء..

                                                                              

كلمة مستعصية على الفهم

لو أن الكلمة المنقوشة على طاولتها المدرسية لم تحدث كل ذلك اللغط والاهتمام من قبل زملائها في الفصل، لما اهتمت لبنى للأمر. علي، الذي يشاركها الطاولة، ومن نقش الكلمة عليها، هو أول من أثار انتباهها بأن هناك شيئا مريبا.  رفض أن يخبرها عن معنى الكلمة، ثم إنه كان غالبا ما يخفيها بدفاتره. لابد أن الكلمة خطيرة جدا. لكنها بلغة غريبة. أربعة حروف لاتينية فقط، استعصت على الفهم.

 

أولا، سألت لبنى صديقاتها المقربات. لكنهن مثلها لم يدركن معنى الكلمة. وحين أعلن زميلها سمير أنها كلمة "حشومة" و"عيب" ، انفضت الصديقات عن لبنى... وبشكل ما حملت الفتاة عار الكلمة المنقوشة على طاولتها. اعتزمت أن تعرف الحقيقة من علي مهما كلفها الأمر، فهو أصل البلاء.. لكنه لاذ بالصمت.. أصرت أكثر، فاعترف أخيرا أنه نقل الكلمة من دفتر أخيه الأكبر الذي يدرس في الثانوية، لكنه لا يعرف معناها!

 

استمر الاهتمام بالكلمة اللغز لبضعة أيام، ونافس إعلان زواج زميلتهم نادية، التي وإن كانت كبرى بنات الفصل إلا أنها لم تتجاوز الرابعة عشر عاما..

 

ثم  كان على الأستاذ أن ينتبه للأمر. حين توقف أثناء شرحه الدرس، أمام طاولتهما. حاولت لبنى إخفاء الكلمة بكتابها، بينما انزوى علي خلف وجه ملائكي مخادع تماما كما يفعل شقيقها الأصغر حين يكسر شيئا..

 

-         ماذا تخفين هناك؟ سأل الأستاذ. ألم أمنعكم من الكتابة على الطاولات..

 

وإذ أزاح دفترها، اعتلت وجهه نظرة التجهم وعلمت لبنى أنها في مأزق.

-         لم اكتبها، أستاذ.

-         إنها طاولتكما.. رد موجها حديثه لها ولزميلها . إذا لم تخبراني عمن كتبها ستعاقبان.

-         لست أنا، قال علي بصوت متوسل.

 

تطلعت لبنى إليه مترددة ثم رددت ذات الجملة.

 

تحملت رفقة زميلها العقاب. ونظفت الطاولات وهي مصممة على معرفة معنى الكلمة..

حالما وصلت مساءا للبيت توجهت إلى شقيقتها الكبرى تسألها عن معنى الكلمة بصوت خافت وبعد أن استحلفتها أن لا تخبر والديهما.. هي تثق بمعرفة شقيقتها بكل الأمور.

 

-         أهذا ما تتعلمين في المدرسة؟ من علمك هذه الكلمة، قولي.. إذا رددتها مرة أخرى سأعلم أبي وسأبلغ المعلم..

 

 بالكاد فلتت لبنى من غضب شقيقتها.. لكنها لم تعلم معنى الكلمة. راودتها الأربع أحرف في الحلم، واستيقظت مرتعبة.. لا بد أن تعرف معناها..

 

شغلتها الكلمة الغريبة طويلا.. وأخيرا اهتدت إلى حل، حين ذهبت إلى المكتبة العامة لإجراء بحث طلبه المعلم.. هناك، أخذت القاموس وبحثت عن الكلمة..  .وأخيرا وجدت شرحا لها:

 

LOVE .. الحب..

April 05

هو والنساء

 

أتت الفتاة مبتسمة، إليه:

-         هل تسمح بصورة مع كل الأسرة؟

 

دفعت فتحة ابتسامته ملامح الحزن عن وجهه، وأخذتها بعيدا إلى عينيه. هو لا يحب شكله في الصور وغالبا ما يخبأها في درج وينساها هناك.. وليد يتشبث به مطالبا إياه برفعه بين ذراعيه، ويأخذه ضاما إياه بقوة.. وليد ابنه الوحيد.. قد لا يدرك الأمر.. قد لا يسامحه حين يكبر.. ستتغير الأمور غدا.

 

يلمح الابتسامة المرتبكة للعروس.. يشعر بالفخر.. وبالخوف عليها. حذره صديقه أحمد، وهما يحتسيان فنجاني القهوة المعتادين على قارعة المقهى بينما يتابعان باهتمام أجساد المارات:

 

-         تزوج ابنتك فتشعر أنها تغتصب منك.. هي من نسائك، فكيف تسلمها لرجل آخر؟ لقد بكيت بحرقة يا أخي، تماما كالطفل.. بينما أخذوا صغيرتي مني.. أمها احتارت كيف تواسيني..

 

لكن كلمات صديقه لم تلمس كل رعبه.. هاهو ينظر إلى لمياء تزف إلى ذاك الفتى المختال كالديك.. منذ البداية أعرب عن اعتراضه.. أصرت زوجته بصوتها الحاد الذي توفره لمناسبات خاصة..

 

-         إنه طبيب.. احمد الله واشكره.. لأن ابنتك منيت بعريس مثله..

 

وما همه هو إن كان ذاك الديك الرومي، طبيبا؟

كم يكره جلسات التصوير.. تبع توجيهات الفتاة المصورة، ووقف متوسطا ابنته والديك.. ثم ابتعد بينما وضع الآخر يديه حول العروس.. تطلع ببؤس إليهما وهمّ بالاعتراض.. لكن صوت زوجته أوقفه..

 

-         أظنك في حاجة لسيجارة، ودفعت به إلى الباب الخارجي.. وهي توجه إليه التعليمات..

-         لا تنس أن ترحب بعائلة العريس.. وابتسم قليلا لأجل ابنتنا..

 

اندفع خارجا إلى الحديقة، وتوارى خلف شجرة وهو يحسد زوجته على رصانتها.. لقد احتضنها طويلا في الليلة المنصرمة بينما استرسلت تبكي ..

 

-         كبرنا يا محمد.. ها نحن نزوج ابنتنا الأولى..

 

يشعل سيجارة ثانية.. خمس بنات ليرزقا أخيرا بوليد.. حاول أن يتخيل نفسه واقفا أمام ذات الشجرة يدخن سجائر أخرى.. أربع كوابيس تنتظره..

 

بيد أن فتاة أخرى، لا أب لها، اقتحمت خلوته.. غدا لن تبق الأمور على حالها، سيكون هو العريس..

 

أتى وليد يخبره أنهم يطلبونه في الداخل.. عند الباب، اعترضت طريقه فتاة مدثرة بقفطان ومرصعة بالجواهر.. لون شفتيها الدامي ذكره بالأخرى.. تلك  الدافئة.. لم يستسلم لحضن امرأة كما فعل في حضنها، منذ هجرته أمه إلى رجل آخر.. وحدها أنسته خيبة الأمل، حين استيقظ في صباح باكر ليجد نفسه وحيدا مع جديه.. وحدها سوسن، احتضنت روحه، ولملمت الدموع عن وجه ذاك الطفل الحزين.. إسمها ينسيه كل بؤسه. وفجأة يتذكر أن يداعبها..

 

-         ألم تكتفي؟

-         وكيف اكتفي منك؟ إنك تعيدين لي روحي..

 

فتشرع من جديد في اكتشاف جسده.. بينما ينطلق الطفل الصغير فيه،  فرحا لاكتشاف لعب لم يتخيلها يوما..

 

تتأبط ابنته الصغرى ذراعه وتجره بفرح لجلسة تصوير أخرى.. يبتسم بسهولة بينما تنساب أمام عينيه سوسن عارية، ترفع الستارة.. لم يحل الظلام بعد، هل تبق معي قليلا؟ وتعود إليه تفتح الأزرار التي بالكاد قد أقفلها وتنزع عنه قميصه، هل شبعت مني؟

 

يفقد ابتسامته فجأة، إذ يلمح طيف أمه قادما.. من دعاها؟ لابد أنها زوجته التي تحاول كعادتها إرضاء الجميع.. قلبها الطيب يستهلك كل حواجزه.. تصالحه مع الجيران ومع محمد البقال الذي يزيد التسعيرة كما يشاء.. لاشك أنها محاولتها الأخيرة لمد أصر التواصل..

 

-         هكذا يا بني، تزوج ابنتك ولا تخبرني؟ تبادره بعتب واضح..

 

لكنه يدير وجهه بعيدا وينصرف بحجة استقبال أحد الوافدين.. ابتعد دون أن يسلم على زوجها الواقف بجانبها.. تمنى لو أنه لم يكن فظا.. لكن خطواته دفعت به إلى حجرة فارغة، ليلعن الليلة كلها..

 

-         ما بك؟ ألا تستقبل أمك وزوجها؟ راعي فرحة ابنتك على الأقل والضيوف الموجودين.. ألا يمكنك نسيان غضبك لليلة واحدة..

 

استدار ليتطلع بدهشة لوجه زوجته الغاضب.. لا يتذكرها ترفع صوتها عليه. لكنه يعلم كم تهتم بالمظاهر وبإبداء الأسرة في أفضل صورة.. ذكرته بدجاجة تحمي فراخها..

 

-         لم أطلب منك دعوتها.. رد بانفعال..

-         لا، لم تفعل. لكن من حقها حضور زفاف حفيدتها الأولى.. أما آن لغضبك أن يزول؟

-         ولن يزول..

 

حين تراجعت إلى الباب وتأكدت من إغلاقه جيدا، تبادرت إليه صورة إحدى البنات خارجة من غرفة الضيوف، غرفة التأنيب، كما يسمينها، مطأطئة الرأس..

 

-         ستخرج الآن،  وتقبل يدي أمك وترحب بزوجها.. وستلازمهما طوال السهرة..

-         يا امرأة، لن ترغميني على شيء... لن أسلم عليها وذاك العاهر..

-         ليس عاهرا، بل هو زوجها.. حين توفي والدك كانت صغيرة ولم يكن بيدها خيار آخر غير تركك مع جديك الذين دللاك أكثر من اللازم.. أكثر من أخويك الذين تربيا في حضن أبيهما..

-         لم يكن عليها الزواج في الأصل..

-         ولم؟

-         ولم تسألين؟ هل إذا مت اليوم ستتزوجين، غدا؟ رد بعنف متفاديا الإجابة..

 

وللحظة عم الصمت أرجاء الحجرة.. التفت مستغربا.. بدت شاحبة.. هادئة..

 

-         لم تمت بعد، لكنك توشك أن تكون كذلك بالنسبة لي.. إذا سمعت أنك زرت تلك السوسن العاهرة مرة أخرى.. أقسم أن أرتمي في حضن أول رجل ألاقيه.. سأدعي أنني أرملة وسأعهر بهذا الجسد الذي لم يمسه غيرك..

 

لوهلة تصورها تعرض جسدها المكتنز الذي بدأ يمتلأ أخاديدا، على غيره.. لم يعد يشتهيه كالبدء، حين كان يقتنص فرص غياب الأولاد لتربص بها وليرتوي من حنانها.. كانت تقف بوجه واجم مغلق أمامه.. حاول تخيل يد أخرى تحط على صدرها الذي يرتفع ويهوي سريعا أمامه.. شعر بالرعب.. عادت إليه صورة ذلك الطفل الباكي وهم يخبرونه أن أمه أصبحت ملك رجل آخر... ليس مرة أخرى!.. اندفع إليها رافعا يديه إلى عنقها.. لكنها بقيت واقفة هناك وبصوت غاضب أوقفته..

 

-         لا تجرأ على لمسي.. لست أمك التي عاقبتها كل هذا العمر.. أنا زوجتك.. امرأتك الوحيدة.. إن تزوجت الأخرى، سأستبيح لي رجلا آخر.. وإن قتلتني الآن، سأفوز أيضا.. إذ ستدفن حيا في سجن ما،  بعيدا عن كل النساء..

 

توقف مصدوما بجرأتها.. ليست تلك الحنونة التي يعرفها.. بقي واقفا هناك،  بينما غادرت الغرفة بعد أن رتبت قفطانها في هدوء..

 

بعد قليل تبعها، قبل يد أمه، رحب بزوجها، وابتسم للديك بينما قاوم تدفق صور سوسن شيئا فشيئا..

 

 

March 26

متاهة العشق أو أنت وأنا.. وأنت

 

 

 

على الهاتف، هذا الصباح، كنت كعادتك عابثا.. مم تهرب؟

 مني، أم من الأخريات؟

 

لابد أنك تهرب من نفسك.. تراوغ  لتهرب من خوفك.. لست إلا امرأة.. لست جنية لأسحرك ولا ملكة لأسلط عليك حراسي.. لا أملك إلا هذا الجسد.. ليس كاملا.. ربما جنوني يعطيه ألقا  لا تملكه الأخريات...

 

أنهيت الاتصال وأنا أتساءل كيف انتهى بي الأمر، عاشقة لرجل عابث؟

لدون جوان يخاف التورط في هواجسه فيعبث بأجساد النساء؟

 

لم خوفك؟

هل آتي إليك لتعرف أني لا أشكل تهديدا؟ هل أشاركك كأسك لأسلمك مقاليد جنوني؟

أم ادعوك إلي؟ ليتعرف إليك الجميع؟ وأعلن للملأ أنني انضممت إلى عبثك؟

 

تراودني صورنا معا ,أخاف أن يراها على وجهي زملاء العمل.. أنسخ الأوراق التي طلبها رئيسي، وأتذكرك تكتب على جسدي كلمات أخرى.. أينك الآن؟ ماذا يشغلك عن عبثنا؟

 

-         سامية، أين التقرير الذي طلبته؟

 

رئيسي، شارد كعادته عني ..ألا يرى جنوني .. ألم يلمس سحري .. أسلمه التقرير هو منشغل بقراءة الأرقام وأنا به، عنك.  

هو أيضا دون جوان.. أتساءل كيف له كل تلك النساء.. ثم ألحظ يديه، كبيرتين، نديتين، دافئتين..

 

 كنت سأنمو بين يديك، لم أبعدتني؟ أنظر إلى رئيسي وهو يغادر إلى مكتبه.  بينما يضع فؤاد ملفا آخر فوق مكتبي ..

أقول معترضة حالما ينصرف رئيسنا..

 

-         ألم تجلب لي ما يكفي من العمل لليوم؟

-         إذا شئت أساعدك في إعدادها، أمهليني فقط بعض الوقت لأنهي عملي..

 

فؤاد يصلي.. يناديني " بأختي " ثم حين أدعي أني منشغلة عنه، أحس بعينيه تخترقان جسدي

.. هل ستضعين الحجاب؟ يسألني كل مرة.. ولا أجيب..

 

-         امنحيه فرصة، تقول منى..

 

لكنني منشغلة عنه بك.. متى نلتقي؟  صوتك بدا باردا، بعيدا.. هل أنت مريض؟ أأتعبتك النساء أم هو رذاذ البحر الذي يتسلل عبر نافذتك، ألم أطلب منك إغلاقها؟

لم لا تجيب على الهاتف؟ .. أسدل ستائري جيدا.. كمال الساكن في الشقة المقابلة، يحب استراق النظر بينما يدخن سيجارته الأخيرة..

 

- هل توقفت أخيرا عن التدخين؟

 

أحاول النوم.. لكن ذراعك ليست هنا لتحتضن كآبتي.. أتراك تعاقر الخمر أم امرأة أخرى؟

غدا لن أهاتفك.. سأنتظر اتصالك.. الرجال يحبون النساء اللواتي يصدنهم.. كيف أصدك وقد ولجت عالمي ..

 

-         خبزه واحدة من فضلك..

 

ابتسامة البائع تزعجني.. لست له.. لم يستبيح مغازلتي.. أنصرف منزعجة.. منى تقول إن جارها فقيه متمرس في كتابة الحجابات.. قد أذهب إليه..  لكنني لا أعرف اسم أمك ولم أحتفظ بخصلة من شعرك الأشعث..

 

 انقضى الصباح بطريقة ما, أشعر بالتعب لم يرد أي اتصال منك.. أحمل سماعة الهاتف، رئيسي غادر لموعد عمل، أستغل الفرصة لأهاتفك.. لا ترد.. لم تسمعه؟ مرة أخرى وأخرى..

ألا تريد أن ترد؟ بحق جنوننا، رد..

وفؤاد يجلب لي كأس ماء حين أعطش , يأخذ الملفات ليعدها..

 

-         ارتاحي قليلا.. سأجهزها حالا..

-         امنحيه فرصة، تعاود منى وهي تبتسم مخفضة رأسها تكلمني دائما من فوق نظارتها الطبية

 

وأنت؟ هل ستمنحني فرصة أخرى؟ سترى إنني مجنونة مثلك، أكثر من الأخريات..

يعود رئيسي منهكا، بصوت مبحوح، لابد أن موعده كان حافلا..

 

-         اتصلت مريم، هل أمررها لك الآن؟

-         لا، إن اتصلت، تخلصي منها..

 

 

 

هل اكتفيت مني أيضا؟ ستعبر إلى امرأة أخرى؟

وحينها يسألونك هل تعرفـ..ها؟ وتحاول أن تتذكر.. لكن ذاكرتك مثقلة بالأسماء وبالنسيان..

لم اخبر غيري، بوجودك.. أحيانا لا أصدقني.. أنا لن يسألني أحد..  لكنني سأذكر نفسي كل مساء بضرورة نسيانك..

 

فؤاد يسألني إن كنت بخير.. نعم، قليلا..  يعرض أن يوصلني إلى البيت.. لم لا.. يجب أن أنساك.. ويرن الهاتف، إنه رئيسي..

 

-         سامية ، لا تغادري.. اشتقت إليكِ ..

أتذكر الآن أنني سأظل مسكونة بك وبهواجسي .

 

 

 

March 11

الثامن من مارس.. وأشياء أخرى

 

 

في ذكرى رحيل شقيقي، محمد الإدريسي الرغيوي.. وذكرى آخر درس تعلمته منه..

 

 

كان اليوم حافلا منذ بدايته، طويلا.. استيقظت باكرا جدا. حاولت أن لا أزعج شقيقَي الأصغرين الذين يشاركاني الحجرة. كريم بالخصوص، الكريم بصراخه واعتراضه كلما أصدرت أقل صوت.. غيرت ملابسي مسرعة،  عرجت إلى المطبخ، وضعت على قطعة خبز بعض الزبدة، وفي أخرى وضعت بيضة مسلوقة إضافة إلى قطعة طماطم، حملتها في حقيبتي وهممت بالخروج.

 

-         هل أنت ذاهبة يا ابنتي؟ أتاني صوت الحاجّة من الغرفة الأخرى

-         نعم، آمّي..  بْالسلامة.

 

وانصرفت، بينما استرسلت هي في دعائها:

 

-         الله يوقف لك أبناء الحلال في طريقك ويحميك من كل شر..

 

لسعتني لفحة الهواء البارد، حالما خرجت. أيام الشتاء قاسية. لبست تحت سروالي الجينز سروالا قطنيا وارتديت كنزه صوفية، لكنني رغم ذلك شعرت بالهواء البارد يتغلغل إلى مفاصلي. ربما عليّ أن أقتني معطفا.. عليّ أن أزور محل الطنجاوي يوم الأحد.. قد يكون أحضر سلعة جديدة من سبتة. وقد أتمكن من إقناعه بتقسيط الثمن إلى دفعات.. بضاعته مستعملة لكن منذ أن امتدت شريحة زبوناته لتشمل المدرسات والموظفات، أصبح يتمنع عن تقسيط الدفع.

 

الطقس بارد فعلا، والليل مازال مستوطنا المدينة.. عواميد الكهرباء تبعث ضوءا خجولا بالكاد يجعلني أتفادى الحفر الكثيرة في الشارع... أقترب من كشك الحارس الليلي للسيارات و..لي. أحيانا أعطيه مبلغا صغيرا.. أعلم أنه سيحميني من مضايقة متسكع سكران أو محشش.

-         صباح الخير، أخي عبد السلام.

-         صباح الخير، آختي يرد بصوته الجهوري.

ربما صوته هو سلاحه الأكثر فعالية. عبد السلام رجل ضئيل الحجم في بداية الأربعينيات. يعمل ليلا ليترك مكانا كافيا لأولاده الخمسة للنوم مع أمهم في الغرفة الوحيدة المستأجرة. يسهر لآخر الليل مع شباب الحي، يدخنون  الحشيش والنكت الجنسية. شقيقي الأكبر  يشاركهم السهر.. لحسن الحظ لا ألتقيه إلا نادرا.. يكون قد استسلم لتوه للنوم حين أغادر للعمل وعندما أرجع يكون قد خرج بدوره. أسلم منه طالما  تركت له مبلغا مع الحاجّة. إذا تأخرت بالدفع، يختفي شيء من البيت، إناء ما أو لباس.. أحيانا أتعرض لنوبات غضبه:

 

-         ولماذا تعملين؟ أنا الذي يسمح لك بالعمل.. سأسجنك في هذه الدار إلى أن يقبل بك رجل أيها العانس أو تموتين..

وعندما أحاول الاعتراض يرعد ويزبد:

 

-         أنا رجل الدار.. لا كلمة إلا كلمتي..

 

وتهدئه الحاجّة كعادتها:

 

-         ييه ياولدي، أنت الراجل طبعا..

 

الله يسامحها.. لو تركتني لكنت اشتكيته للشرطة.. لو أن لي عملا أفضل، لاستأجرت بيتا بعيدا منه ومن هذا الحي المليء بالبؤس.. بيد أن شهادة الليسانس في الأدب العربي لم تؤمن لي عملا.. هي دروس الخياطة التي أنقذتني..

 

وأنا أقترب من موقف الحافلات، ألتقي بعض المصلين الذاهبين لصلاة الفجر.. الشباب ملتحون، مسرعون، بالكاد يرفعون بصرهم عن الأرض.. الأكبر سنا، يتقدمون بخطوات متثاقلة، يتطلعون إلى الوجوه وهم يقلّبون حبات التسبيح ويتمتمون..  جمعٌ من الفتيات وعدد أقل من الشبان سبقوني إلى المكان.. ألقيت التحية بصوت خافت وأنا أنضم إليهم.. لا تعلوا أصواتنا حتى نركب الحافلة..

 

- آحْمْد، شغل الراديو.. آحْمْد، هاك كاسيت هيفا الجديد..

 

وأحمد أو أحد زملائه يتحمل ضجيجنا ومزاحنا ذهابا وإيابا.. حاولت الإسراع للحصول على مقعد، دون جدوى. هذا النهار الذي لم يبدأ بعد طويل، طويل.. واقفة، محشورة بين الآخرين أحاول تتبع الحديث الدائر.. لستُ محايدة.. مثل الباقين أتلذذ بتناقل الأخبار عن سكرتيرة المدير وعلاقتها المزعومة مع المحاسب أو عن طلاق زميلتنا التي تزوجت منذ شهرين..تلك تعويذتنا للانتقال من يوم إلى آخر دون ملل. وصلنا أخيرا. إنها الخامسة صباحا.. بدأت خيوط الضوء تغزل الظلام لتبعده. دخلت إلى مبنى المعمل.. قد لا أرى أشعة الشمس اليوم، وحدها الإنارة البيضاء الساطعة، سترافقني إلى آخر النهار.. أتوجه إلى مكاني متفادية البلبلة المعتادة لزميلاتي. ألقي التحية على بعض المراقبات.. يجب دائما الاحتراس منهن. قد تنقلبن على إحدانا في لمح البصر.. وقد يصل الأمر إلى الطرد.

 

وضعت بلوزة زهرية اللون مثل الأخريات، وجلست إلى ماكينتي. أزلت غطائها ووضعته قرب حقيبتي على الأرض. ثم باشرت بتمرير قطع القماش تحت الإبرة.. هذا الأسبوع نخيط قمصان نوم حريرية للرجال.. ذات لون أزرق قاتم كلون البحر الثائر أحيانا.. أتصور رجلا يرتديها، ربما كرجال الدعايات، أسمر، طويل ولا مبالي.. محظوظ هو ومحظوظة امرأته.

 

طوال فترة الصباح، كررت عملية الخياطة مرارا وتكرارا.. أصبحت أرى كل الأشياء زرقاء كلون البيجامات، حتى وجه المراقبة وظهر زميلتي الذي يقابلني.. عليّ أن أزاوج بين السرعة والإتقان. أجري مرتبط مباشرة بالأمرين..

 

أشعر بجفاف في حلقي، لم أتحدث منذ الصباح، وحده صوت المذياع له الحق في مرافقة ثرثرة المراقبات وضجيج آلات الخياطة.. حوالي العاشرة، نحظى بأول استراحة. أسارع إلى المراحيض. أتزاحم مع الأخريات لئلا أتجاوز الوقت المحدد، أتجاهل مشادة بين زميلتين.. ربع ساعة فقط لنقضي حاجتنا.. أخرج من هناك، أتناول من جيب بلوزتي قطعة بسكويت وألتهمها.. كنتُ مدورة، في الجامعة. كان جسمي المليء يثير الرغبة والغيرة.. الآن لم اعد أحمل إلا عظامي.. وحدهن المراقبات والملتحقات الجديدات بالعمل يتمتعن ببعض الوزن الزائد.

 

استمر يومي رتيبا، طويلا إلى فترة الغذاء. خمسة وأربعون دقيقة.. تناولت سندوتشي.. وإذ بقي إحساس الجوع ، قررت أن أتطفل على ميزانيتي وأشتري ياغورت.. نجلاء وأخريات يستعرضن مالهن ويطلبن ساندويتش كفتة أو كبد.. هن لا يصرفن على أسرة كاملة.. وأحيانا يكون لديهن صديق  يغدق عليهن بالهدايا.

 

عندما أخبرت سعيد أنني أعيل أربع أشخاص، التفت إلى فتاة أخرى.. نحن في هذا المعمل كثيرات..

 

وأنا عائدة من فترة الغذاء، استوقفتني المراقبة، هل من خطب، فكرت؟ إذ اصطحبتني إلى مكتب مراقب الإنتاج.

 

- أدخلي، قال بصوت ناعم بينما تراجعت المراقبة مغلقة الباب وراءها.

 

تقدمت قليلا ووقفت أمام المكتب..

 

-         أنت حاصلة على الليسانس إذا؟

-         نعم، أجبت.

-         ممتاز، قال بتحمس، ضاغطا على حرفي الميم.. لقد اخترتِ لمهمة مميزة. سيسري راتبك كالعادة وسترتاحين من ماكينتك لباقي اليوم.. إذا أحسنت التصرف ستحصلين على علاوة وتوصية لمنصب مراقبة.

 

هل هو يوم سعدي؟ تجاوزت عرض العلاوة لأتخيل منصب المراقبة، أجر أعلى ومجهود أقل..

 

-         ما الذي عليّ عمله سيدي؟

 

وقف المدير ودار حول مكتبه.. نظر إلي متفحصا، اقترب أكثر ووضع يده على كتفي..

 

-         مم..

 

هل هذا هو الأمر؟ لا! يا للمصيبة! لم أنا بالذات؟ لم أحاول لفت  أنظاره. لم أبتسم له يوما. لم أقل له صباح الخير. أو .. مثل بعضهن، بغنج واضح:

 

-         يناسبك لون البذلة، يا سّي مرزوق.

-         انزعي بلوزتك..

 

ضممت ذراعي على صدري بهلع..

 

-         سيدي، أنا يتيمة الأب، أعيل..

-         لا تخافي! قاطعني بصوت منزعج. لست هنا لأجل إرضائي.. انزعيها.

 

حاولت أن أفكر في سبب يساعدني لأعترض أو لسبب منطقي لأنزعها.. تداخلت في رأسي الصور، نزعتها بتردد..

 

ألقى نظرة سريعة وعاد لمكتبه.

-         يجب أن نجد لك قميصا آخر..

 

وفي لحظات وجدتني، حائرة، أرتدي قميصا آخر في مكتب المراقبات.  وعدت إلى مكتب مدير الإنتاج لأجده رفقة مدراء آخرين.. مثله، تفحصوني بنظرة ثاقبة... شعرت باحمرار يعلو وجنتي.

 

-         إذا أنت حاصلة على الليسانس في.. بادر أحدهم.

-         الأدب العربي، سيدي.

-         ممتاز.. إذا، سنتوقع أن تتصرفي جيدا. إذا رضينا عنك ستحصلين على العلاوة والترقية..

-         نعم، سيدي. لكن..

 

قاطعني بحزم:

 

-         سيرافقك سّي مرزوق، تقيدي بتعليماته وسيكون كل شيء على ما يرام..

 

ما الذي سيكون على ما يرام؟.. تبعت مدير الإنتاج إلى قاعة أخرى. هناك كان فريق تصوير ينتظر..

 

-         هذه عاملة لدينا، ستجيب على أسئلتكم.

 

تطلعت مشدوهة إلى المذيعة وهي تقترب مني بابتسامة جامدة.. بينما سلط تقني ضوءا قويا على وجهي وأمسك آخر بعدسة الكاميرا.. التفتُ إلى مدير الإنتاج متسائلة لكنه اكتفى بحركة رأس خفيفة.

 

 استهلّت المذيعة الكلام بصوت واضح:

 

-         نحتفل جميعا اليوم، بتخليد ذكرى الثامن من مارس.. اليوم العالمي للمرأة.. وهي مناسبة أبينا فيها إلا أن نتوجه إلى شريحة مهمة من النساء لنسألها عما يمثله لها هذا اليوم.. معي إحدى العاملات النشيطات في المجتمع..

 

أبعدت نظرها عن عدسة الكاميرا وتوجهت إلي مباشرة:

 

-         هل يمكنك أن تخبرينا عما يمثله لك يوم الثامن من مارس؟

....

 

 

February 27

مرآة لجسد يحتضر


 

غادرت البيت مستعجلة. لم أكحل عينيّ، ولم أغط هالات التعب بماكياج متقن كعادتي.. كان يوما ممطرا، باردا.. ارتديت ملابس دافئة سوداء لكنني تعمدت وضع منديل زهري على كتفي ليكسر كآبة الطقس..


كان قريبا مني.. لسبب ما شعرت به. أحسست به يتربص بي في الشارع. لذا لم أعبر مباشرة. . اقتربت من نهاية الرصيف .... لست ادري.. لم يعد هناك مجال للتقدم
أكثر، عبرت... وحينها واجهته، اختطفني ...

                                  ***********************

مددتُ أصابعي أمامي، أعدها، أتأكد من سلامتها..  فتشتُ عن باقي أعضائي.. وجدتني سليمة، سالمة.. أكثر من الضروري .. عندها اكتشفت أني اثنتين ؟
... تحركتُ باحثة عن أطرافي، بقيت من تشبهني على الأرض. وقفتُ، ولم تفعل. انحنيتُ فوقها، حاولت أن أحركها، لكنها بقيت جامدة كحجر، لامستُ جبينها.. شعرها كان مسحوبا للخلف تحت جذع شجرة وتحت رأسها امتدت بقعة دم حمراء!


                            ******************************

جلستُ مرتعبة. لم أشعر ببرودة الأرض ولا بالبلل. الريح بدورها لم تبعثر شعري كعادتها. نظرتُ إليّ مرة أخرى.. لم أبدُ بشعة.
كأنني مستسلمة للحظة تعب على الإسفلت. يدي اليمنى ممتدة على الطريق بينما انحسرت الأخرى في وضعية غير مريحة تحت ظهري، حاولت أن أفلتها دون جدوى.
تراجعت إلى الوراء بينما اقترب المارة يعاينوها.. ني. تراجعت أكثر، أحاول استرداد أنفاسي .. اتكأت على جدار مبنى قريب، وقعت! نصفي خارج المبنى ونصفي الآخر ممتد على أرضية المقهى..
الطاولات وأرجل الكراسي تحيط بي.. تابع رواد المكان حديثهم دون انتباهٍ لمحاولاتي البائسة للنهوض.
تمكنت أخيرا من الجلوس. وقفتُ في مواجهة الحائط، لا أرى ما خلفه.. وضعت يدي فوقه.. لكن يدي غاصت فيه، إلى الخارج. نظرت حولي، لم ينتبه لي أحد، كأنني غير مرئية.. أخطوا خطوة أخرى صوب الحائط، وإذ تختفي قدمي اليمنى فيه أصاب بالهلع وأتراجع سريعا للخلف.. ابحث عن باب المقهى وأغادر المكان ..

                             ********************************


عدتُ إليَّ.
تلمست طريقي بين المتجمهرين. كنتُ مازلت هناك ممدة.. شاحبة.
التقط أحدهم منديلي الزهري... أمسك به رجل انحنى عليّ، متحسسا دفأه..
- المسكينة! لازالت صغيرة ..
- ترى من تكون، يسأل آخر ؟؟؟
وأجبتُ.. صرختُ بأعلى صوتي.. فاطمة.. فاطمة الزهراء.. لكنني الوحيدة التي سمعتني.. حتى الريح، لم تحمل صوتي بعيدا. ارتد إليّ كاملا، موجعا.
ما الذي يحدث معي؟ أردت التأكد أنني.. أنا. جثوت أمام مرآتي الصغيرة التي انزلقت على الأرض،  كنت أنا.. كيف انفصلت إلى اثنتين؟  لأنني قادرة على الحراك، قررت أن أنضم إليها... لربما استطعت أن أعود من جديد .
تمددت فوقها، فيها.. شعرت بالسكون التام. حاولت التنفس. كان للهواء مذاق خاص! بارد ودافئ في آن. شعرت به يتغلغل فيّ. رجفة ما حركت سبابتي..
- لقد تحركت.. لقد تحركت..
رجفة أخرى انتابتني كلّي. ثم شعرت بالجسد يتخلى  عني.. أنتزع مني.. أولا قدمي اليمنى تنفصل عن قدمي اليمنى، ثم باقي الأطراف عن باقي الأطراف، ثم الأعضاء واحدا تلو الآخر.. لم أشعر بالألم بل بصراع حاد. إلى أن حان دور القلب لينتزع نفسه من قلبي.. كان الألم هائلا.. بشعا.. أنهك في لحظة كل قواي..
استجمعت قواي لأجلس.. لم استطع.. أصبحت في حالة تشنج قصوى.. على ملامحي حفرت خطوط عميقة.. وجحظت عيناي.
حاولت أن اقترب لأحتويها، لأطمئنها.. لكنني، كنت خائرة القوى.. كانوا يعبرون فوقي ليصلوا إليْ.. يعيقونني.. أحاول الاقتراب بينما يبعدونها عني.. يحملونها، بعيدا.. عني.  أنحني على المرآة أتطلع إليّ.. فلا أراني.



 

February 20

موعد حب

 

ينتظرني على قارعة الطريق، كعادته.  في يسراه يحمل سيجارته، كعادته. يتمسك بطرفها إلى أن تحرقه، فيرمي بها إلى الشارع،  متحسرا عليها.. أطراف أصابعه اصطبغت بلون أصفر.. يطول انتظاره لي. يشعر برغبة في إشعال سيجارة أخرى. يخرج علبته من جيبه، يعد سجائره، ثم يعيدها إلى مكانها كاملة العدد..
حيث يقف، لم تسمح ميزانية البلدية بزرع شجرة يتظلل بها. تحيط به مساحة فارغة، يستوطنها عمي عبد الرحمان الزاهد المتسول لقمة فقط، وأطفال هاربون من حصص الدراسة، يلاعبون كرة هزيلة. وحين تتوقف السيارات أمام إشارة الضوء الأحمر، يهرولون إليها ليعرضوا علب المناديل الورقية..
حين تمر بقربه فتاة تتمايل على كعبها العالي، يلاحقها بنظراته.. ثم متوجسا من غيرتي إذا  ما لمحته، وهاربا من سجائره ينضم للأطفال مهرولا خلف الكرة الهزيلة..
- كوووون، يصرخ منفعلا.. ثم يلتقط أنفاسه ويعود إلى مكان الانتظار.. يتصفح هندامه، ينفض عنه بعض الغبار، يلتقط منديلا مستعملا من الأرض ويمسح به طرف حذائه.. ينظر إلى آخر الشارع ثم إلى الجهة الأخرى، وإذ لا يراني قادمة، يخطو بضع خطوات عشوائيا في المكان.. يتلمس علبة سجائره مرة أخرى.. ويعيدها إلى مكانها، مرة أخرى.

لم تتبق له إلا سيجارتان، واحدة سيدخنها متبخترا أمامي، والأخيرة سيودع بها يوما آخر قبل أن يستسلم للنوم..
 ينفض عنه الغبار مرة أخرى، يتطلع إلى السيارات المسرعة أمامه.. بالكاد يتفادى علبة مناديل ورقية فارغة يرمي بها أحد السائقين من سيارة فارهة. يبتعد عن الطريق قليلا.. يبادره عمّي عبد الرحمان، كعادته:
- حْب اللي ما يحبك، باطل تشقى.. اتسنى اللي مايجيك، فالطريق تبقى..
- غادي تجي آعمّي عبد الرحمان، غادي تجي.. يردد بدوره..
- خويا، عندك الصرف ديال خمسين درهم؟ يسأله أحد الأطفال
- مكنكسابش خمسين درهم أخويا.. يرد بامتعاض
ينظر إلى ساعة هاتفه المحمول، ثروته الوحيدة، ثم يخطوا بضع خطوات في كل اتجاه..
يمسح عن جبينه بعض التعب، كان يومه طويلا، مرهقا.. عبر المدينة جيئة وذهابا باحثا عن فرصة عمل.. وعده أحدهم بتشغيله حارسا.. له اليوم نبأ سعيد يخبرني به 

***

تتفحص وجهها للمرة العشرة في المرآة العتيقة، تقتلع شعرة أخرى من حاجبها. ثم تستعرض مرة أخرى ثوبيها.. أتلبس سروال الجينز والكنزة الصوفية السوداء أم تنورتها البنية والكنزة الصوفية السوداء ذاتها؟ تؤجل القرار لحظة، لتحاول تثبيت شعرها الكثيف.. تتذكر أن تغسل أسنانها وتسرع إلى الحمام.. وهي راجعة تبادرها صاحبة البيت ومشغلتها،
- باقية هنا، الم تذهبي بعد؟
- غادي غي نبدل حوايجي ألالاّ ونمشي..
- لِبسِي الجلابة وسيري باش ما تعطليش.
تعود إلى ركنها في حجرة المؤونة، تعيد لباسيها إلى حقيبتها القديمة، وتلبس جلبابها الأسود، تعرف أني أحب شعرها مسدلا، فترتبه قليلا وإذ تنادي عليها لالاّ حليمة مرة أخرى، تسارع إلى الخروج..
-  جمعي داك الشعر وغطّي راسك..
ترجع مرة أخرى إلى ركنها، تجلب منديلا وتخرج أخيرا.. تعبر الشارع الأول، وتدق بخفة على صديقتها نورا.. تفتح الأخرى الباب بسرعة..
- تأخرتِ.. تبادرها بينما تجرها إلى الداخل، ترسم لها شفتيها بقلم أحمر، تحرر شعرها ثم تدفع بها إلى الباب محتفظة بالمنديل:
- سلمي عليه..
وتنطلق مسرعة، تسابق الوقت لتصل إلي.. قد نحظى بوقت أكثر معا

***


- اتسنيتي بزاف؟
- لا عاد وصلت.. خلاتك مولات الدار تخرجي؟
- نعم.
يبحث عن يديها ليحتضنها بيده.. يفكر في سيجارته وعمله المرتقب..
تترك له يدها.. تتمسك به.. تفكر في لالاّ حليمة وكل ما طلبت أن تحضره لها من عند البقال. ليس أمامها وقت طويل..
ينصرفان على عجل.. سيقومان بجولتهما المعتادة حول بضع مبان، ثم يرجعان إلى  نفس المكان ليفترقا.. من بعيد يتتبعهما عمّي عبد الرحمان بابتسامة حزينة..

 

 

February 01

مد وجزر

كان البحر يرتمي تحت قدميّ موجة، موجة. و بين كل واحدة وأخرى، يتراجع. تركت ملح الماء يتسرب إليّ من حذائي الخفيف،  شيئا فشيئا. كأنه يتذوقني. كل موجة تستبيح قطعة جديدة من جسدي.. استيقظت باكرا ذلك اليوم. انتقلت بخفة من سريري إلى يوم جديد. انتقلت بخفة من ساعة إلى أخرى. تعلقت بالأمل  طوال اليوم. كيف وصلت إلى هذا الشاطئ؟ كيف انتقلت من النقيض إلى النقيض؟

درس تلو آخر، أتعلم في كلية الحقوق، مبادئ الحريات وحدودها.  لم أدرك انه سيكون علي أن أواجه حدود حريتي بتلك السرعة! تعلمت مذ كنت طفلة أن أتحايل لأحصل على قطعة خبز أكبر، ثم لأحصل على درس إضافي، ثم لأحصل على فستان أو حذاء.. وزعت ابتساماتي وبعض الغنج هنا وهناك.. لم أكن أتجاوز حدود الآخرين، كنت فقط أوسع حدودي. أستاذ القانون المدني، لم يكتف بالغنج. لم تشبعه ابتسامتي.. على مكتبه، توغل في أنوثتي باحثا عن سري الدفين.. صددته مرات عديدة، لكنه ذلك المساء تحين اللحظة جيدا، وحاصرني على مكتبه، دفن رأسه في صدري باحثا عن حليب يطفأ ظمأه. أمسكت رأسه بكلتا يدي ورفعته لأعلن اعتراضي لكنه طار إلى شفاهي يعضهما.. أشعرني وخز شاربه الكثيف بالغثيان، أردت أن أتراجع ثم كان أن تبادرت الفكرة إلى ذهني.. ألستُ امرأة حرة؟ ألست أعلن لكل من يرغب في الاستماع، أنني المالكة الوحيدة لجسدي؟ ألست التي تحتقر ذلك الغشاء الغبي الذي يحد حريتي؟ فلم لا أمنحه لهذا الرجل المتعطش مقابل ثمن أحدده؟

دفعته بصرامة أكثر وواجهته:

-         تريدني؟ سأسلمك جسدي، لكن عليك أن تدفع المقابل..

-         لقد وعدتك بالعلامة، رد بصوت متهدج.

-         ثمني أكثر من علامتك، أريد أن تؤطر بحثي.. أريد الحصول على شهادتي دون عراقيل.

بعد اخذ ورد، تم الاتفاق. وعادت جثته تبحث عن إكسير انوثتي  علّه يعيدها إلى الحياة. تركته ينزع عني ثيابي وحاولت أن أسايره، أليس خياري؟ غرست أظافري في لحمه المترهل، بينما دس جسمه بين فخذي. راودني بعض الأسف، ثم قررت أنني لن أوليّ الأمر أهمية مفتعلة. قررت أن أصنف اللحظة في خانة تبادل المصالح وأن لا أتذكرها إلا تحت هذا العنوان.

وانطلقت أبحث عن فرصة أخرى أقتنصها. مقابلا بمقابل، أقوي حظوظي للحصول على الشهادة الجامعية وربما عمل. ذلك اليوم لم يكن مفترضا أن يكون مختلفا. كنت في مكتبة الجامعة حين شعرت بالدوار.. خفيف في البدء. اعتقدت انه نقص في الغذاء فأنا لم أتناول إلا بعض البسكويت مع كأس الشاي صباحا. لكن حالة الدوار ازدادت سوءا. وجدتني أواجه نظرة تعاطف من الطبيب، سرعان ما داراها امام نظرة التوبيخ من ممرضته.

-         منذ متى أنت حامل؟

حامل؟ وكأنه سيغمى عليّ مرة أخرى، تمسكت بطاولة الفحص. حامل!

غالبت شعور الإعياء لأبحث عن حل. فجأة كانت الحدود تضيق علي الواحد تلو الآخر. تمسكت بذراع صديقتي منى، وعبرت الساحة الجامعية ذهابا وإيابا ابحث عن أب محتمل للطفل الناشئ في بطني. ذهبت أولا إلى أستاذ القانون المدني..

-         لا ترميني ببلواك، لقد نفذت اتفاقنا، ستحصلين على شهادتك بدرجة امتياز.. لكِ أن تتخلصي مما ببطنك دون أن تزعجيني.. ثم هل أنت متأكدة انه لي؟

خرجت من مكتبه ابحث عن الآخرين.. واحدا تلو الآخر تملصوا من أي مسؤولية. مدير شؤون الطلبة الذي دبر لي سكنا بالحي الجامعي، ألقى بالقشة التي قصمت ظهري:

-         إذا لم تتصرفي، سأعلن الخبر، وأتحقق بنفسي من طردك من الجامعة.. سأكون كريما معك وأساعدك بمبلغ لتتخلصي من ذلك الطفل..

ومد يده لجيبه ليخرج محفظته بينما تراجعت بهلع إلى الباب.. شعرت بالدموع تنهمر على وجهي. لستُ بائعة هوى! أنا امرأة اختارت أن توسع حدودها الضيقة. لم أتعدى على حدود الآخرين..  لحق بي إلى الباب ودس مبلغا ما في حقيبتي:

-         إنني أسديك النصيحة. لا تترفعي عن هذا المبلغ، وطالبي عشاقك بالمساهمة وأكملي حياتك..

وجدتني أجر خطواتي وحيدة، إلى البحر بعد أن تخلت صديقتي عني، فهي لم ترغب في تعريض سمعتها للخطر. وجدتني أواجه البحر، أغمس فيه قدماي أتذوقه ويتذوقني.. أردت أن أتوارى فيه.. أن يحملني خارج قفصي إلى الموت. للحظة تصورت أنني أستحق أن أضع حدا لحياتي لأتجاوز الحدود التي تحيط بي من كل صوب.. أليس هذا الجسد لي؟ ألست حرة في امتلاكه بالطريقة التي تناسبني؟ لم لا يمكنني أن أكون مساوية في رد الفعل كزميلي سمير الذي ينتقل من طالبة إلى أخرى دون خشية من العواقب؟

وأحاول تلمس بطني، فأجده أملسا كعادته. هذا الطفل المتطفل على حريتي، أهو الضحية أم أنا؟ وأخطو خطوة أخرى لأنغمس أكثر في المياه الباردة. وتلاقيني أمواجه ثم تتراجع المرة تلو الأخرى.. اقترب فتبتعد وأتوقف فتدنوا أكثر.. ثم تغمرني المياه أكثر، تصعد متلمسة طريقها إلى جسدي بأكمله. تغمر ركبتي، أشعر بالماء يدغدغني، أشعر بالإثارة، أتذكر الأيد التي تبعت ذات الطريق.. أتذكر رعشة انتابتني وأنا أوسع حدودي.. أمد يدي كأنني سأدفع بالماء، كأني سألاعبه.. وأجده قريب مني، اقرب.. أشعر به يلامس مثَلثي، فأنتفض!

لا! لن أموت اليوم..

 

 

 

January 27

رائحة النعناع

على يدي الممدودة، حطت قطرة مطر حملتها الريح إلي.. إذا أمطرت بالفعل، سيكون عليّ أن أغادر مكاني هذا.. فركت القطرة كحبة عطر بين أصابعي وشممتها، لكني لم أشم غير رائحة التراب ممزوجة برائحتي.. نظرت إلى البعيد، أتطلع إلى المارين، أستكشفهم.. فرأيته قادما، بدا مألوفا.. الروبيو¹؟  والدتي كانت تناديه هكذا، فكان ينزعج بينما تقول له:

        - شعرك الأشقر وتلك العينان الزرقاوتين  ستجذب النساء إليك يالروبيو.

        فتعتلي بعض الحمرة وجهه البيضاوي، ويحاول  الاعتراض بينما تستطرد والدتي:

        - ستحطم قلوبا كثيرة، يالروبيو..

        لم أدرك حينها ما كانت تعنيه أمي. وإن كنت بدوري، قد فتنت بابتسامته وأسنانه الناصعة البياض. كان يفركها مرارا وتكرارا في اليوم الواحد.. كان ذلك أحد الأسباب الكثيرة لغضب زوج والدته.. حين يشب الشجار بينهما، كان الروبيو يأتي لاجئا لبضع ساعات أو بضعة أيام إلى بيتنا الصغير.. ينام قرب كومة النعناع الذي سيبيعه والدي غدا في السوق. غالبا ما كنت أتسلل إلى جانبه لنتسامر لساعات طويلة.. أحيانا تنتبه لنا والدتي، فتأمرنا بالنوم، وإذا لم تلح كثيرا أبقى معه لوقت إضافي. كان ذلك في البدء، بعدها اختلف الأمر قليلا..

        شعاع شمس يتسرب من بين الغيم ليحط على ساقي الممدودة أمامي.. تلفه السحب، فيختفي .. أتململ في مكاني.. قد يكون عليّ أن أذهب على كل حال، أنا هنا منذ الصباح.. أنظر مرة أخرى إلى اليمين.. أراه يقترب على مهل بصحبة امرأتين.. لابد أن الكبرى زوجته، طويلة مثله، جميلة، عصرية المظهر.. تغيظني، فأنقل نظري إلى الصغرى، ابنتهما دون شك.. أخذت عنه شعره الأشقر.. لابد أنها في عامها العاشر. كنت في مثل عمرها عندما تعرفت على الروبيو. والدته أجرت لنا حجرتنا، بيتنا. كنا نتقاسم الطابق الأرضي مع أسرتين أخرتين، بينما كان الروبيو يتشارك الطابق العلوي مع أمه وزوجها وأخته غير الشقيقة..

        توقفت الصغيرة أمام بائع الحلوى على الرصيف، اختارت شيئا ما.. رأيت والديها يتبادلان نظرة ضاحكة.  تتعلق المرأة بذراع الروبيو ثم يتبعان ببطء طفلتهما.. تعلقت به هكذا، لأول مرة، حين عاد من جامعته. انتظرته طويلا.. وصل  أخيرا عصرا، شعرت بالهدوء أخيرا.. اشتقت له، لأحاديثنا.. في طريق العودة تعلقت به، وبادلته قبلة طويلة.. نقلنا جلسات سمرنا إلى الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي.. يتحدث وأصمت.. يحدثني عن علمه الذي يفسر الأشياء و يركب غيرها.. لا أفهمه، أريده أن يسمعني بدوره، أن ينتشلني من السوق، من سعيد بائع السمك والجّبلي بائع الفاكهة ومن مراقب السوق الذي كلما مر بي يدفع بيده إلى صدري النافر، وأتركه يفعل بابتسامة عريضة.. كثيراتٌُُ ينتظرن في باب السوق، إشارة للحلول مكاني..

        - بابا، انظر إلى العصفور..

        أنظر إليه بدوري..  حمامةُ تتشارك المدينة مع سكانها.. تقترب الفتاة وتعطيها فتات البسكويت. ألاحظ ابتسامة الفخر على وجه الروبيو.. سعيد هو بابنته وبعطائها. أطوي ساقي الممدودة. سأغادر بعد قليل. أنظر إليه من جديد.. لم تبد على وجهه علامات التعب. لازالت زرقة عينيه تشع بالدفء بينما اصطبغ شعره ببعض الرمادي. كنت لأحبه طويلا، لكنه سافر إلى الخارج ليتابع دراسته.

        - ألم تنتهي من الدراسة؟ ألم تملّها؟ أسأله.

        وأحزن قليلا على نفسي.. على الأمية التي تسكنني. أنظر إلى الصور في كتبه فلا أجد غير الأشكال والخطوط..

        - حتى صورك غير جميلة!

        لم تستوقفه اعتراضاتي. هرب إلى دراسته، وبقيت في السوق.. للحظة تلتقي نظراتنا، يتوقف قليلا.. وأرتبك، هل تعرّف إلي؟ لا تشبهني الآن إلاّ عيناي.. لكنه سرعان ما يشيح بنظره، كأنه يهرب مرة أخرى. يأمر الصغيرة ألا تقترب مني، ثم يتابع الثلاثة طريقهم.

        أحاول النهوض عن الأرض اليابسة. لم يعد ردفاي يتحملان الجلوس الطويل.، لم تعد تتحملني الأرض أو أني لم أعد أتحملها.. أرى رجلا يقترب، فأعود إلى وضعيتي السابقة. يتوقف قربي ليضع قطعة نقدية في يدي الممدودة. أتحسس برودتها وشكلها فأعرف دون حاجة لرؤيتها أنها قطعة الخمسون سنتيما. أضعها في جيب جلابيتي وأغادر المكان رفقة ذكرى رائحة النعناع.

 

(¹) الأشقر باللغة الإسبانية.

January 26

رجل وامرأة في شارع مظلم

ستزورني الملائكة، غدا. اليوم، إنها الشياطين التي تحيط بي.. تدفع بي إلى الشارع المظلم. أتبع الخطوات المتسارعة والرتيبة: طق-طق..طق-طق.. طق-طق.. أرفع ياقة المعطف، وبحركة شبه عفوية، ألقي بنظرة على أرجاء المكان. بعض الشباب في مقتبل العمر يتسامرون عند مدخل عمارة مظلم، يتناوبون على سيجارة وحيدة..وفي الجهة الأخرى، رجل وحيد، يمشي سريعا. . حين يمر بجانبي، أشم رائحة سمك.. انتبه إلى ابتعاد الخطوات الرتيبة، فأسرع لأتدارك المسافة الفاصلة بيننا.. قد تكون الفرصة مواتية عند المنعطف القادم.

لاحظتها مباشرة عندما نزلت من الحافلة.. كنت واقفا منتظرا طريدة مناسبة لهذا المساء.. لم تكن أنيقة جدا. شعرها المسدل الحريري كان أجمل زينتها. وخطواتها المتمايلة جعلت نظرات الرجال تتبعها. ظللت متكئا على عمود الكهرباء أتتبعها بدوري.. كلما اقتربت لاحظت تفاصيل أكثر.. قميصها الأسود كشعرها الليلي، و بنطلونها الضيق الذي يلف فخديها، ويرسم بقليل من الحياء مثلثها السري.. بصعوبة أرفع نظري إلى وجهها، بيد أن الإنارة الخافتة التي يبعث بها المصباح فوقي، تمنعني من رؤية لون العينين، لكنني ألمح شكل الرمح الذي يتخذه حاجباها.

حين ابتعدت قليلا، وجدتني أسحب نفسي عن العمود واتبعها من بعيد..

أدركتها تقريبا. تطلعت حولي.. المكان فارغ، إلا منا. ليس الوقت متأخرا جدا.. على بعد شارع تعج المدينة بحركة المتسامرين. لكن، ليس على امرأة وحيدة، أن تستبيح الشارع. إنها امرأة حقيرة..  وتستحق أن أعترض سبيلها.. أباغتها، وأدفع بها خلف صندوق النفايات الكبير.. تنتفض كقطة مرتعبة، لكنني أمسك بها جيدا. ألوي ذراعي حولها، أخطف بالثانية سلسلة تتدلى من عنقها وأقاوم لألا أضع شفاهي هناك.. أطلب منها أن تعطيني خاتمها و حقيبتها..

- أصمتي.. و إلا..

تعطيني الخاتم والحقيبة وتحاول الهروب، فأمسك بمعصمها.. أعيدها إلي..

 ملمس معصمها دافئ.. أشعر بارتعاشة خوفها.. يتعلق نظري بصدرها الذي يرتفع ثم يهوي..

- خذ كل أغراضي، لكن أرجوك، الله يحفظ  لك كل قريب، أتركني أذهب.. أريدها.. أقترب أكثر. أشعر بدفىء  تنفسها.. شهيقها.. أنحني قليلا.. تفلت يدي الأخرى الحقيبة وتحط على الصدر المرعوب..

فجأة، حاسة اللص توقفني.. أسد بيدي توسلاتها.. صوت خطوات يقترب.. في لحظة أشعر بالأسف عليّ .. لا وقت للتردد، أفلت المعصم الناعم.. أحمل الحقيبة عن الأرض وأسلم رجلي للريح..  

غدا، سأشتري ملمع الحذاء، وسأذهب إلى مطعم سّي العربي. إنه بارع في إعداد طاجين السمك.. وغدا سأدعو سوسن زميلتي في الجامعة، إلى فنجان قهوة..

لكني الآن أعدو.. وأعدو..

الثدي الأيسر

بين ذراعي، كان الرجل الثالث لهذا اليوم، يبكي!  لكن لا وقت لدي لأواسيه. فبعد ساعتين سينطلق قطاري إلى الرباط. لي موعد غدا زوالا هناك.

أترك الرجل يسترسل في حزنه. لا أسمعه. لي ما يشغلني.  أنظر إلى تفاصيل غرفة الفندق. ورق الحائط الرديء اللامبالي. الهالة السوداء حول المصباح المعلق في السقف. الستائر التي لا تترك الضوء يتسرب إلى الغرفة. طاولة صغيرة قرب السرير، تركت عليها حقيبة يدي. و.. السرير المنحني تحت ثقل الأزواج الذين طالما تعاركوا فوقه.. والرجل المجرد من أناقته. ساعته اليدوية وحدها، مازالت متعلقة به، تعلم عن الوقت وعن ثرائه المفترض..وثم جسدي، الممتلئ كفاية دون إفراط، المنحوت من قطعة طين طرية الملمس.. يعشقها الرجال..

- مرة أخرى، همس الصوت المتقطع من بقايا بكاء.

- لا، قلت بحزم. وهممت بالنهوض..

- مرة أخرى، ردد الصوت.

ترددت قليلا، فجلس الرجل، بحث سريعا عن بنطلونه وسط كومة الثياب. أخرج ورقة مالية وأضافها إلى المبلغ فوق الطاولة.

- في ثلاثين دقيقة لا أكثر، قلتُ..

تركت يديه تبحثان في جسدي عن الأنثى، وعن استسلام لإرادته. لشهوته. لو أنني لست في حاجة لماله، لسألته هو والآخرين كيف يستطيع الشعور بالنشوة مع جسد يدفع لقاءه؟

 .. حين شعر الرجل بنشوته للمرة الثانية، نهضت أخيرا عن السرير، وارتديت ملابسي مسرعة. طلب رقم هاتفي .... قلت إنني مسافرة.

- سأرغب برؤيتك مرة أخرى، قال بصوت متردد..

قد أحتاج ماله عند عودتي، فكرتُ وأنا أمليه الرقم. ثم غادرت مسرعة. لحسن الحظ، كنت قد وضعت حقيبة ملابسي،  في مستودع محطة القطار. سأصل إلى الرباط  ليلا ويجب أن أتدبر أمر مكان أنام فيه لليلة.

كأن الكل مغادر، اكتظ القطار بالمغادرين. وعلى الرصيف كان المودعون ينتظرون مغادرة القطار ليعودوا إلى مدينتهم ربما بحسرة وربما بسعادة.. أأأأأأأأانالاىيسابصاىفبصس أأأا أنا، لا أحد يودعني.. لا أحد سيستقبلني عند الوصول..

سلكت طريقي، أكابر مع حقيبتي، أبحث عن مقصورتي. أخذت تذكرة في الدرجة الأولى.. في سفرتي هذه، لن أوفر المال لأجل راحتي.. لا تذاكر من الدرجة الثانية ولا فنادق رخيصة ولا رجال.. إنها المقصورة السابعة، مقصورتي.. زوجين في نهاية العقد الخامس يجلسان قبالتي. يرتديان كلاهما جلبابا. رفع الرجل نظره عن جريدته، رمقني بنظرة متفحصة سريعة قبل أن يعود إلى لمطالعته. بينما رمت المرأة نظرة استنكار لسروالي الجينز الضيق وكنزتي القصيرة.. جلست بصمت. انطلق القطار بعد قليل. من حقيبتي أخرجت نظاراتي الشمسية، وضعتها وتعلقت بالنافذة، أنظر عبرها إلى الخارج متفادية رفيقاي في السفر.

لم أنتبه للرجل الواقف في الممر إلا بعد مرور بعض الوقت.. كان واقفا هناك ينظر إلي بإمعان وبإعجاب.. لست أخطأ في تمييز تلك النظرة، فهي تذكرتي إلى المال الذي جنيته من أجل  هذه الرحلة. مرة تلو الأخرى كنت ألتفت لأجده هناك.. ربما هذا الصباح، ربما البارحة، كنت ذهبت إليه وقدمت له عرضا مباشرا.. لكنني في حالة توقف عن العمل منذ ما يزيد عن الساعتين. لذا أسندت رأسي جيدا وجلبت حقيبة يدي ووضعت عليها كلتا يدي وأغمضت عيني مستسلمة للحظة تعب.

- تذكرتك، سيدتي، أيقظني صوت المراقب..

وهو يعيدها إلي مختومة بطابعه، توجه بالحديث إلى الغريب الواقف في الممر:

- تفضل سيدي بالجلوس، هذا مقعدك، قال مشيرا إلى المقعد الفارغ بجانبي.

- مساء الخير، قال الرجل وهو يجلس..

رد الزوجان التحية بينما اكتفيت بالصمت واستأنفت النظر عبر النافذة. مر بعض الوقت قبل أن يتحدث الغريب مجددا، وقد استسلم الزوجان إلى النوم:

- لم تتذكريني، أليس كذلك؟

        نظرت مستغربة إليه. لست أذكر هذا الوجه. لا أحاول تذكر زبائني. أتناساهم لألا يصبحوا جزءا مني.   

- لا، هل أعرفك؟

- مقصف الجامعة ودروس التاريخ.

نظرت إليه بتمعن أكثر. إنه يتحدث عن عشر سنوات قبل، على الأقل. بحثت في وجهه عن شاب في بداية العشرينيات.

- عزيز؟

- بالتأكيد، لم أتغير كثيرا، أليس كذلك؟

بدا عليه ذات المرح وإن بدت نبرة صوته أعمق.

- لا، ليس كثيرا.

- ماذا تفعلين الآن؟ لا أخبار عنك، واستطرد قبل أن أجيب، أنا أستاذ جامعي الآن، لابد أنك أكملت تخصصك بعد زواجك؟

- لا. لقد توقفت عن الدراسة قبل حصولي على الإجازة.

مرت لحظة صمت، قاطعها بعض شخير الزوج، قبل أن يتحدث من جديد:

- تفرغت للأسرة إذا؟

- ليس بالضبط، أنا مطلقة الآن.

أضاف بعد فترة تردد :

- ألم يدرك مدى حظه؟  فقد كنت أجمل الطالبات.. ولازلت جميلة جدا.

هو أيضا لم يكن يدرك أن هذا الجسد، لن يكون كاملا غدا، سينقص الثدي الأيسر.. بمزيج من المرارة فكرت في كل  الرجال الذين بعتهم جسدي. قال الطبيب إنه مجرد سرطان، أننا إذا عالجناه باكرا، قد نتفادى انتشاره في باقي الجسم. قد لا أضطر إذا لبيع جسدي مرة أخرى...

نظرت إلى يدي المرتعشتين أحاول تثبيتهما، ثم  عدت إلى نافذتي، بينما استمر الرجل في حديثه عن التي كنتها.

 

 

ناموا في ليلة القدر

 

 

في ليلة القدر، ترتفع الوجوه إلى السماء، داعية بالسلامة وطول العمر وكثير المال، وبالجنة..

وفي بيت منسي، يستلقي طفل على فراش عادي. لايعلم أي ليلة هي.. يستمع إلى صمت المدافع.

يترقب عويلها. قد تخطف هذه الليلة أيضا، قريبا له.

لم تسعفه معلوماته أن يعد موتاه، هو لا يحسن العد إلا إلى العشرة..

في ليلة القدر، في بيته المنسي، ينظر الطفل من نافذته، يرى نور يقترب.. ويقترب

- أمي، أنظري.. إن السماء مضيئة، صافية،

تتطلع الأم الى السماء، ثم تحضن طفلها.

- تعال ياحبيبي، لقد حان وقت النوم.

 

قيلولة موت

 

كان عبد الله يجوب القرية قلقا. بدا أن أحدا غيره لم ينتبه.. كانت البلدة تعج بسكانها. لم يكن الفصل صيفا، ليأتي المغتربون والأصدقاء بهذه الكثرة. لم يكن في البلدة غير أهلها.. لماذا هذا الإكتظاظ، إذا؟

لقد لاحظ منذ بعض الوقت أنه لم تحدث أي وفيات.. وأنه لم تلي صلاة الظهر أي صلاة عن الموتى. إنه لا يستطيع أن يتذكر آخر جنازة حدثت في البلدة. انتبه للأمر منذ أيام فقط. جارته التي تجاوز عمرها المئة عام والتي تعاني من عدة أمراض مزمنة، لم تمت. ومحمود الراعي، حين وقع من أعلى الجبل في الجرف العميق، لم يمت. والحاج عبد السلام، مازال يصارع المرض الخطير والألم منذ أزيد من الستة شهور، وإن أكد له الأطباء كل مرة أنه لن يتجاوز نهاية الأسبوع... الحالات كثيرة جدا.. حتى إن سعيد الذي أصيب برصاصة طائشة  في صدره، من بندقية صديقه القناص، لم يمت.

لكن عبد الله، لاحظ أيضا أن كل حالاة النجاة من الموت، لم يصاحبها شفاء معجزة. فكل الناجون يعانون من المرض ومن حالات ألم رهيب. في الليل، حين يجافيه النوم، يسمع بوضوح أنين الألم من بيوت الجيران. ربما لأن كل بيت كان فيه ناج يتألم، لم يبال أهل القرية بالظاهرة. فالكل كان يتألم لألم قريب له.

شعر عبد الله بان عليه ان يجد تفسيرا للأمر.. لابد أن هناك سببا وراء معاناة أهل القرية. غدا، يوم جمعة. بعد صلاة الظهر، سيخبر أهل القرية بملاحظاته.

تململ المصلون حين طلب منهم شيخ البلدة، البقاء لماقشة أمر سيعرضه عبد الله. فهو لم يكن أتقى أهل البلدة، ولم يكن أحد حكمائها.

         - أعلم أنكم مستعجلون للعودة إلى مرضاكم.

هكذا استهل عبد الله حديثه. عرض الأمر بكلماته المشتتة، فهو لم يكن يوما متحدثا فصيحا. وحين انتهى من عرضه، سادت حالة الإستغراب جموع الحاضرين. ثم علت بعض صيحات الإعتراض.

- إنها مشيئة الله.. هذا كلام رجل مجنون..

         وهب بعض المصلين، ليغادروا الإجتماع، فلا وقت لديهم لسماع هراء عبدالله. لكن أم الولد، اعترضت طريقهم.

         - عودوا إلى أماكنكم واسمعوا.. وعوا..

         لم يجرأ احد على مخالفة أمرها. عادوا أدراجهم وفي عيونهم بعض الهلع. ألم تفقد أم الولد القدرة على التكلم منذ أن استشهد ولدها منذ سنة تقريبا؟ مذ ذاك، وهي منزوية في صمتها.

         - إنها اللعنة، حلت عليكم. حين سمحتم لولدي أن يموت. واعتبرتموه شهيدا. ألم يكن مجرد طفل يلهو، فرميتم به إلى التهلكة، قربانا، ليستعيد أرضكم التي اغتصبت منكم؟ إنها اللعنة، حلت بكم. حين سمحتم لولد أن يموت، لتبقوا أنتم الرجال أحياء؟

         عم الصمت أرجاء المكان، بينما تجمهرت نسوة القرية حول باب المسجد يستمعون إلى الحديث.

         - وما العمل؟ سأل عبد الله بصوت خافت..

         - ارحموا أطفالكم، ردت أم الولد. ودللوهم.. فقد يعود الموت من إجازته، فتستريحون..   

December 30

نشرة الأخبار

 

سيدتي،

رفيقاتك يسرحن شعرهن

يتبادلن وصفات التجميل

وأنت تلازمين نشرة الأخبار..

لم لا تضعين تاجا من نرجس مثلهن

وتستدرجين قطيعا من العشاق..

 

على شاشتك يتراص الموتى

يعدهم، وجه محايد، واحدا تلو الآخر

وقد ينسى في غمرة العد، شهيدا

رفيقاتك يرسمن حواجبهن

يخضعن لجلسات الشد والحقن

وعلى شاشتك يتمازج دخان المعارك

مع أرواح استعجلها الرحيل...

 

سيدتي،

على جبينك، قدر يؤرقك..

ألوان قاتمة وخوف دفين..

رفيقاتك يتمايلن على لحن خفيف

يصوتن للائحة مغنين جديدة

وأنت محتارة،

هل تصوتين للائحة اليسار

أم للائحة اليمين..

 

لم لا تتعطرين مثلهن،

أم أنك تخافين أن يدميك العطر

أن يجتث صور الرعب

من عينيكِ...

أن يجرف الرماد الذي يلفك

إلى آخر النهر..

 

سيدتي،

ألم تكتفي من التمرد

ألم تكتفي من هدر الدمع

لم يسلموك القضية،

لم يعترفوا بك طرفا مفاوضا،

فلم لا تقاطعي نشرة الأخبار

و تعبري إلى الأنثى المنسية فيك

وتكوني.. مجرد أنثى جميلة

تقدم نشرة الأخبار..

 

 

December 20

طاولة خشب عادية

 

تجالسني طاولة خشب..

أضع عليها مرفقي من حين إلى حين

وتسند أوراقي العذراء..

على ذراعها، نقشت الحرف الأول

 من إسمي.. ونمتُ.. سعيدة بإنجازي..

لقد خلدتُ..

خلدت إلى النوم

خلدت إلى الأبد..

 

أحدثها فتجاريني.. صمتاً

وأهديها باقة ورد  ومزهرية..

فتشع فرحا..

 

تجالسني طاولة خشب..

في ليلة، طويلة، أخرى

أحمل عنها ورقتي البيضاء

لألطخها بالحبر

بحكايتي وبشيء من الحلم..

 

ليلا.. تجالسني

صباحا.. تسترجع الطاولة مهامها العادية..

تستقبل فناجين القهوة وفُتاة الخبز..

تستمع إلى الأحاديث الروتينية

لرواد قاعة العبور..

طاولة الخشب،

لا تضع الماكياج

لا تتزين إلا بمنديل أو اثنين -حسب الظروف-

 تستر بهما اعوجاج لوحها..

لا تاريخ لها إلا ما تستقرؤه

حين تتطلع إليها مليا..

 

أنظر إليها كثيرا، لكني

لا أراها..

لكن -بواجب الصداقة-

أشعر بضرورة طرح بعض الأسئلة..

أي شجرة تلك التي قُدمت قربانا

لأحظى بطاولتي..

 أي يد احتفظت بشظية منها..

وأي الصدف أتت بها  إلي..

 

نهارا أتجاهلها..

ألملم عنها أوراقي..

كباقي العابرين، آتي إليها في مواقيت الأكل

كباقي العابرين، أتبادل حديثا عابرا مع الآخرين

كباقي العابرين، أنصرف مسرعة

فور انتهاء المهمة -إطعام جوعي-

كباقي العابرين، أنصرف بسرعة..

أبحث عن قطار مغادر..

وإذ لا أجدهُ،

أستعد لموعدي الليلي

..مع طاولة خشب عادية.

December 13

طائر وكعب عالي

 

في يوم سلم فيه الربيع ورده

لشمس الصيف ليلوحه

غادر طائري إلى الضفة الأخرى..

وسلكت الدرب وحدي

امتطيت كعبي العالي

ورسمت شفتي بلون شبيه بالأرجواني

ومشيت.. وحدي،

أتمايل ذات اليمين وذات اليسار

تنورتي تراوغ نظرة متطفلة

وفراشة صغيرة تحط على كتفي

تضع لي خطوط الطول وخطوط العرض

 عند نهاية كل مربع

تكشف لي عن حلم تارة

وتارة أخرى عن كابوس..

طائري غادر

مهللا لموسم جديد

وبقيت شجرة اللوز قرب نافذتي

 تحضن عشه

وبقيت أردد اعترافه بالحب كتميمة

 لدرء برودة الأمكنة عني

ولأرتفع فوق كعبي العالي دون خشية من السقوط ..

November 29

حالة لجوء

 

صديقتي،

و أنا نائمة، عديني أن تتركي النور مضاء

لتبتعد هواجسي إلى الغرف المظلمة..

قد أتخلص من أحلامي و كوابيسي وأنام

 

صديقتي،

وأنا نائمة، عديني أن لا تفتحي الباب

لعاشق يأتي باحثا عن منفضة لسجائره..

قد يستريح جسدي لليلة من لعبة العري

 

صديقتي،

وأنا نائمة، عديني أن لا تفتحي نافذة التلفاز

ليدخل الشهداء علينا يستجدون جنازة لائقة ودقيقة صمت..

قد أسرق دقيقة أخرى من الموت

 

صديقتي،

وأنا نائمة، لا تقرئي الشعر

لتسلل الحروف إلى ملجئي..

قد لا أستسلم من جديد لغوايته

 

صديقتي،

وأنا نائمة، لا تكتبي مذكراتك

لينشر غسيلي على أسطح البيوت النائمة

قد أحتاج وجهي، لتتقبلني المدينة

 

صديقتي،

وأنا نائمة، لا تغني، لا ترسمي على الجدران

لألا تلحق بي الطفولة..

 قد أهرب من الوقت

 

 

صديقتي،

وأنا نائمة،لا تصمتي

لتسمعني الجدران تاريخها..

قد أنسى أني لاجئة منسية في كتب الجغرافيا

 

صديقتي،

وأنا نائمة، عديني أن تبقي على هيئة أنثى

لألا ترتبك أوراقي..

قد لا أفقد فرصتي في الحصول على جواز سفر

 

 

صديقتي،

وأنا نائمة، لا تدثريني برداء مخملي

لأتوقع تغير الحال.. كأس ماء صافي وقطعة سكر..

قد أهيم غدا، من جديد، في دروب الحاجة

 

صديقتي،

وأنا نائمة، لا تخافي

لا تلجئي إلى صديقة أخرى لتنامي..

قد أمد يدي باحثة عنك، فلا أجد إلا السراب.

 

 
Merci de votre visite !
Please wait...
Sorry, the comment you entered is too long. Please shorten it.
You didn't enter anything. Please try again.
Sorry, we can't add your comment right now. Please try again later.
To add a comment, you need permission from your parent. Ask for permission
Your parent has turned off comments.
Sorry, we can't delete your comment right now. Please try again later.
You've exceeded the maximum number of comments that can be left in one day. Please try again in 24 hours.
Your account has had the ability to leave comments disabled because our systems indicate that you may be spamming other users. If you believe that your account has been disabled in error please contact Windows Live support.
Complete the security check below to finish leaving your comment.
The characters you type in the security check must match the characters in the picture or audio.
HELLO MY FRIEND
Mar. 2

 اليك هذا الخبر ورد  حينما استفقت صبيحة امس ان احدى
 الجمعيات بمشرع بالقصيري اقامت حفل توقيع كتاب  خبز ابيض خبز اسود 

Oct. 27
Picture of Anonymous
smr wrote:
مبروك يا صديقتي نشر اول قصيده لك في مجلة العربي بعنوان الحلم وانت الحلم
في يوم عندما يحلف طائرك عاليا في سماء الشعر لاتنسي صديق اسمه سامر واذكريه لعل بذكرك يذكر
سامر م.م
Nov. 15
Picture of Anonymous
smr wrote:
 
فاطمه يا شبيهة الريح
مجاذيفك عذاب وهم
وصبرك صبر بحاره
غشاك موج الشعر
فصرت ربان البحر
سامر م.م
Nov. 7
touil adilwrote:
ces vers sont un cri de désespoir de vouloir aimer et connître le vrai amour, le grand, le sublime...Chacun y a droit c'est juste une question de temps, de preception et de circonstances. Tes vers encouragent les gens à apprécier l'amour et à le chercher où qu'il soit et ne jamais désepèrer!! au nom du vrai amour je t'en félicite!  
Aug. 6
There are no photo albums.