فاطمة الزهراء's profileنصوص فاطمة الزهراء الرغي...PhotosBlogListsMore Tools Help

Blog


    October 14

    السيجارة الأخيرة

     

    لف سيجارته الأخيرة بأصابعه المصفرة عند الأطراف، بعناية ثم وضعها بين شفتيه. أخذ نفسا عميقا بعد أن أشعلها تاركا الهواء الدافئ يتغلغل في صدره المتعب.

     

    كان واقفا تحت شجرة اللوز العملاقة، يتأمل حقله الذي يمتد نزولا أمامه إلى أسفل الوادي حيث جف النهر منذ شهور عدة. لقد أوشك على إتمام عمله: حرثَ الأرض ووضع السماد، لم تتبقى سوى عملية الزرع وسينتظر بعدها هطول المطر. لم تبد فوق الجبل المقابل تباشير رياح الغربي. غير بعيد، كانت زوجته تلم الحطب بدون كلل بينما يحرس صغيريهما الغنم.

     

    تذكر أوامر الطبيب، لا سجائر بعد اليوم، لا تعب.. وعلاج سريع ومكلف لاستئصال المرض.

     

    هب واقفا، تناول الكيس الذي بجانبه ووفق خطوط متوازية ومسافة متماثلة، بدأ بزرع حبات التبغ.

     

     

     

    ليلة سعيدة

     

    كنتَ جالسا هناك، ربما أمام مكتبك تتطلع إلى شاشة الحاسوب ببعض الفتور، تضع شبشبا ليدفئ قدميك، وبين حين وحين تمسد شعرك، تتناول شرابك وتفتح نافذة وأخرى، حين رقنت الكلمتين دون خطأ إملائي ودون نقطة نهاية..

     

    وكنتُ حينها أسترق السمع إلى ضوضاء قلبي الغير المعتادة. وكان هو يسترق السمع إليك فلا يصله إلا الصمت. لا أذكر أي ليلة كانت تلك الليلة، فأنا أتجاهل منذ ابتعدتَ كل الأجندات.. لست معنية جدا بعدّ الأيام التي تبعدني عنك.

     

    حاولت أن أعتبر انفصالنا حدثا عابرا. ابتسمت قدر ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وحين جافاني النوم وضعت اللوم على حالة الطقس أو فنجان القهوة الذي شربته عصرا.

    لم أتصل بك مرة أخرى، فقد أضربت أصابعي عن تركيب الرقم إذ تجاهلتَ مجهودها وأناقتها وهي تنتقل بخفة على لوحة الهاتف لتركبه.

     

    إذاً رقنتَ الكلمتين بيقين مطلق وببرود تام.

    ربما تناولت كأسا بعدها ثم استسلمت لحلم سعيد. ربما تناولت هاتفك وركبت رقم امرأة أخرى..

     

    أنا أيضا استسلمت للنوم ليلتها. رتبت فراشي كالمعتاد، تناولت أوراقي البيضاء ثم تجاهلتها. أطفأت النور ثم وضعت رأسي على راحة كفي الأيسر ونمت.

    في اليوم الموالي تناولت فنجان قهوتي المعتاد وقد كان مرا كالعلقم، تناولت قطعة حلوى لكنها كانت مرة أيضا. استسلمت أخيرا وتجاهلت البحث عن متعة في الأكل واكتفيت بالتهام الطعام لكي أبقى..

     

    أنت جالس أمام حاسوبك، تضع علامة "المشغول" على نافذة الميسانجر.. تعبث بلوحة المفاتيح، تحاول إكمال نص ما. .

     

    أنا، أبقى هنا.. أبقى فقط. آكل لأبقى. أتنفس وأشرب وأتغطى جيدا اتقاء نزلة برد، فقط لأبقى.. لأن الحياة بدون حب هي مجرد بقاء.

     

    ستقول ربما، إنك غير معني بهذا الحديث. ستتجاهل الرسالة الواردة في بريدك الإلكتروني. وقد تتحمل كتابة الكلمتين الغبيتين، وكأن السعادة يقين مطلق:

    -         ليلة سعيدة

     

    سأفكر أنا، بليال أخر..

    لم يعد ساعي البريد يضحك

     

     

    -         أُصمت،  أطفئ ذاك الجهاز اللعين! صرخت بأعلى صوتي..

    كان صباحا طويلا روتينيا ومتعبا.. كالعادة أعمال البيت وغسل الملابس والطبخ.. والضجيج الصادر عن غرفة وحيد الذي يحاول أن يصبح موسيقيا.. ثم هذا الطرق على الباب. توقفت أمامه لحظة أسترجع هدوئي قبل أن أفتحه. كان ساعي البريد يمد لي رسالة مسجلة..

    بدا شابا في أواسط العشرين.. أخرج دفتر التوقيع من محفظته بعد أن تأكد من هويتي. لم يكن يضحك كالحاج سعيد الذي كان يسلم لي الرسائل خفية من والدي وشقيقي.. كان الحاج صديقا لكل شباب الحي وكاتم أسرارهم.. يتنقل بحيوية من بيت لآخر.. يقبل بابتسامة ممتنة كأس اللبن البارد من جارتنا ثم يقرأ لها رسالة ابنها المهاجر. كان ينقل الأخبار الحزينة والمفرحة، ولكنه كان يأتي خاصة برسائل الحب.

    -         كبرت أيتها الشيطانة وأصبح لك حبيب، هه؟

    علت الحمرة وجهي بينما خبأت الرسالة بين ثيابي..

    -         غدا أعطيك الجواب؟

    -         ..وألف قبلة وإلا سأفشي سرك.. ثم غادر ضاحكا بينما ازدادت حمرة وجهي.

    هذا يوم مميز، فكرت وأنا أوقع في الدفتر. عليّ أن أكمل التنظيف وباقي أعمال البيت بسرعة، ثم أغتسل وأذهب إلى الصالون لأصفف شعري. يجب أن أكون في كامل أناقتي وأنوثتي حين يعود أحمد من سفره. سأطلب منه أن نعيد لزواجنا لمعان البداية.. علينا أن نحاول فقط.. مازال تحت الرماد نار تنتظر أن تشتعل من جديد.. لي الآن من سعة الخاطر ما يكفي لأحب أحمد الكاتب المعروف كما أحببت أحمد المراهق صديق أخي الأكبر.. أعلم أنه يحتفظ لي بمكانتي الخاصة رغم أنه يسافر وحيدا إلى لقاءاته ومحاضراته. لكنه يعود إلي لألهمه أو ليستشيرني بخصوص نص جديد.. وليرتاح من مظهر الكاتب المعروف. حالما أنهي كتابة تعليقي على هامش نصه، يتهرب من قبلتي وينغمس في الكتابة ثم بعد يومين أو ثلاث يعاود مشاوير السفر.

    حان الوقت لنجدد حبنا، فكرت وابتسامة تعلو وجهي.. وحيد كبر الآن. يستطيع تدبر حاله في غيابنا. سأعاود الكتابة. أفكار كثيرة تشغلني.. أشعر بالإثارة. لي شوق للكتابة ولأحمد ولحضور الملتقيات والسفر..

    -         شكرا، قلت لساعي البريد ذي الوجه الصارم المتعب.

     أخذت رسالتي إلى الشرفة مبتعدة عن صخب وحيد. جلست على الكرسي الهزاز.. تعرفت على خط أحمد منذ الوهلة الأولى.

    -         أحبكَ، أحبكَ.. كنت أصرخ عاليا، مهللة.

    وكان ينظر إلي بابتسامة واسعة.. ثم تأتيني كلمات حبه كتابة.. أحمد لا يجيد الكلام. لكنه يخط  كلمات العشق بسحر استثنائي بعيدا عن سوداوية رواياته.

    تمهلت في فتح الرسالة، أستلذ بلحظة انتظار إضافية.. لابد أنها آخر رسالات الحب التي يسلمها ساعي البريد. ربما لم يتصور أنها رسالة حب. لم يعد أحد يبعث برسائل الحب عبر البريد، ولم تتبق للساعي صفة كاتم الأسرار أو كاشفها حسب مزاجه.. أصبح الانترنيت والهاتف النقال يقومان بالمهمة بسرعة مذهلة وبسرية فائقة.. انحصر دوره في نقل الرسائل المحملة بالفواتير وكشف الحساب  البنكي وأحيانا المنشورات التجارية.

    فتحت الرسالة ببطء، و.. لم تكن كسابقاتها تبدأ بالعبارة الساحرة: مُلهمتي.. أعدت قراءة الرسالة مرتين. ثم توجهت إلى المطبخ لأعد لي فنجان شاي.. لم يعد هناك داع للاستعجال بأشغال البيت.. وضعت الرسالة على الطاولة.. كنت قد علمت لمَ لمْ يعد ساعي البريد يضحك.

    حياتي

                            

    الحياة..

    أن يدخل الهواء جوفكِ فيخرج محملا ببعض أحلامك

    أن يخفق قلبكِ فيضخ فيك ألما..

     

    الحياة..

    أن تشرق الشمس آلاف المرات ولا تلاحظينها، ولا تكتبين لها قصيدة غزل

    أن تتراص النجوم خلف نافذتك ولا تزيحين الستارة لتردي التحية..

     

    الحياة..

    أن تروي الحكاية.. فلا تصدقينها

    أن ترفعي القلم لتكتبي، فتتسطر الحروف أمامكِ كلمتين وعلامة استفهام.. لماذا أكتب؟

     

    الحياة..

    أن يغير القلب نظامه، فيخفق بشدة لصوت قادم عبر الهاتف

    أن يتوقف الصوت القادم عبر الهاتف فيغير القلب نظامه مرة أخرى ويعلن العصيان..

     

    أن تتألمي وتنكسر أمواج الفرح على عتبة عينيكِ، تصرخين.. فلا يسمعك أحد..

     

    أن تبكي ولا تنزل دموعك.. وتبتسمين فتنهمر طويلا..

    أن تحزني في عيد ميلادك وأن تتذكري أن لا أحد تذكركِ..ثم تتذكرين أنك طلبت ممن تذكروا أن يتناسوك..

     

    الحياة..

    تصلين الأربع ركعات والنوافل، وتنسين في نهاية الصلاة دعاءكِ

    وتعلقين صورتك على زجاج النافذة وينساك الأحياء والأموات الذين كانوا يزرعون أحلامك زهرا..

     

     

    تدب الحياة في خلاياكِ، ترتعش أطرافكِ، يطول شعركِ.. وتظلين هناك تشاهدين جسدكِ يعيش وحده..

    تئن عقارب الساعة، فتنتزعيها من مأزقها وتمنحيها عطلة مفتوحة الأجل.. فتكتشفين أن الساعة أنجبت عقارب أخرى تظل تئن..

     

    الحياة..

    أن ترقد أمك جسدا هامدا أمامكِ، ولا تعرفين لم منحك الله تلك الهبة ليسلبها منكِ..

    أن تلملمي شعرك عن جبينك وتعدين الخطوط هناك، التي هي تماما بعدد موتاكِ فتكتشفين احتمالات خطوط جديدة

     

    الحياة..

    يموت من تحبينهم فتقولين إنه أمر عادي وحتمي

    و تظلين حية، فتستغربين،،،

                                      ألم يحن أجلكِ بعد؟؟؟