فاطمة الزهراء's profileنصوص فاطمة الزهراء الرغي...PhotosBlogListsMore Tools Help

Blog


    February 27

    مرآة لجسد يحتضر


     

    غادرت البيت مستعجلة. لم أكحل عينيّ، ولم أغط هالات التعب بماكياج متقن كعادتي.. كان يوما ممطرا، باردا.. ارتديت ملابس دافئة سوداء لكنني تعمدت وضع منديل زهري على كتفي ليكسر كآبة الطقس..


    كان قريبا مني.. لسبب ما شعرت به. أحسست به يتربص بي في الشارع. لذا لم أعبر مباشرة. . اقتربت من نهاية الرصيف .... لست ادري.. لم يعد هناك مجال للتقدم
    أكثر، عبرت... وحينها واجهته، اختطفني ...

                                      ***********************

    مددتُ أصابعي أمامي، أعدها، أتأكد من سلامتها..  فتشتُ عن باقي أعضائي.. وجدتني سليمة، سالمة.. أكثر من الضروري .. عندها اكتشفت أني اثنتين ؟
    ... تحركتُ باحثة عن أطرافي، بقيت من تشبهني على الأرض. وقفتُ، ولم تفعل. انحنيتُ فوقها، حاولت أن أحركها، لكنها بقيت جامدة كحجر، لامستُ جبينها.. شعرها كان مسحوبا للخلف تحت جذع شجرة وتحت رأسها امتدت بقعة دم حمراء!


                                ******************************

    جلستُ مرتعبة. لم أشعر ببرودة الأرض ولا بالبلل. الريح بدورها لم تبعثر شعري كعادتها. نظرتُ إليّ مرة أخرى.. لم أبدُ بشعة.
    كأنني مستسلمة للحظة تعب على الإسفلت. يدي اليمنى ممتدة على الطريق بينما انحسرت الأخرى في وضعية غير مريحة تحت ظهري، حاولت أن أفلتها دون جدوى.
    تراجعت إلى الوراء بينما اقترب المارة يعاينوها.. ني. تراجعت أكثر، أحاول استرداد أنفاسي .. اتكأت على جدار مبنى قريب، وقعت! نصفي خارج المبنى ونصفي الآخر ممتد على أرضية المقهى..
    الطاولات وأرجل الكراسي تحيط بي.. تابع رواد المكان حديثهم دون انتباهٍ لمحاولاتي البائسة للنهوض.
    تمكنت أخيرا من الجلوس. وقفتُ في مواجهة الحائط، لا أرى ما خلفه.. وضعت يدي فوقه.. لكن يدي غاصت فيه، إلى الخارج. نظرت حولي، لم ينتبه لي أحد، كأنني غير مرئية.. أخطوا خطوة أخرى صوب الحائط، وإذ تختفي قدمي اليمنى فيه أصاب بالهلع وأتراجع سريعا للخلف.. ابحث عن باب المقهى وأغادر المكان ..

                                 ********************************


    عدتُ إليَّ.
    تلمست طريقي بين المتجمهرين. كنتُ مازلت هناك ممدة.. شاحبة.
    التقط أحدهم منديلي الزهري... أمسك به رجل انحنى عليّ، متحسسا دفأه..
    - المسكينة! لازالت صغيرة ..
    - ترى من تكون، يسأل آخر ؟؟؟
    وأجبتُ.. صرختُ بأعلى صوتي.. فاطمة.. فاطمة الزهراء.. لكنني الوحيدة التي سمعتني.. حتى الريح، لم تحمل صوتي بعيدا. ارتد إليّ كاملا، موجعا.
    ما الذي يحدث معي؟ أردت التأكد أنني.. أنا. جثوت أمام مرآتي الصغيرة التي انزلقت على الأرض،  كنت أنا.. كيف انفصلت إلى اثنتين؟  لأنني قادرة على الحراك، قررت أن أنضم إليها... لربما استطعت أن أعود من جديد .
    تمددت فوقها، فيها.. شعرت بالسكون التام. حاولت التنفس. كان للهواء مذاق خاص! بارد ودافئ في آن. شعرت به يتغلغل فيّ. رجفة ما حركت سبابتي..
    - لقد تحركت.. لقد تحركت..
    رجفة أخرى انتابتني كلّي. ثم شعرت بالجسد يتخلى  عني.. أنتزع مني.. أولا قدمي اليمنى تنفصل عن قدمي اليمنى، ثم باقي الأطراف عن باقي الأطراف، ثم الأعضاء واحدا تلو الآخر.. لم أشعر بالألم بل بصراع حاد. إلى أن حان دور القلب لينتزع نفسه من قلبي.. كان الألم هائلا.. بشعا.. أنهك في لحظة كل قواي..
    استجمعت قواي لأجلس.. لم استطع.. أصبحت في حالة تشنج قصوى.. على ملامحي حفرت خطوط عميقة.. وجحظت عيناي.
    حاولت أن اقترب لأحتويها، لأطمئنها.. لكنني، كنت خائرة القوى.. كانوا يعبرون فوقي ليصلوا إليْ.. يعيقونني.. أحاول الاقتراب بينما يبعدونها عني.. يحملونها، بعيدا.. عني.  أنحني على المرآة أتطلع إليّ.. فلا أراني.



     

    February 20

    موعد حب

     

    ينتظرني على قارعة الطريق، كعادته.  في يسراه يحمل سيجارته، كعادته. يتمسك بطرفها إلى أن تحرقه، فيرمي بها إلى الشارع،  متحسرا عليها.. أطراف أصابعه اصطبغت بلون أصفر.. يطول انتظاره لي. يشعر برغبة في إشعال سيجارة أخرى. يخرج علبته من جيبه، يعد سجائره، ثم يعيدها إلى مكانها كاملة العدد..
    حيث يقف، لم تسمح ميزانية البلدية بزرع شجرة يتظلل بها. تحيط به مساحة فارغة، يستوطنها عمي عبد الرحمان الزاهد المتسول لقمة فقط، وأطفال هاربون من حصص الدراسة، يلاعبون كرة هزيلة. وحين تتوقف السيارات أمام إشارة الضوء الأحمر، يهرولون إليها ليعرضوا علب المناديل الورقية..
    حين تمر بقربه فتاة تتمايل على كعبها العالي، يلاحقها بنظراته.. ثم متوجسا من غيرتي إذا  ما لمحته، وهاربا من سجائره ينضم للأطفال مهرولا خلف الكرة الهزيلة..
    - كوووون، يصرخ منفعلا.. ثم يلتقط أنفاسه ويعود إلى مكان الانتظار.. يتصفح هندامه، ينفض عنه بعض الغبار، يلتقط منديلا مستعملا من الأرض ويمسح به طرف حذائه.. ينظر إلى آخر الشارع ثم إلى الجهة الأخرى، وإذ لا يراني قادمة، يخطو بضع خطوات عشوائيا في المكان.. يتلمس علبة سجائره مرة أخرى.. ويعيدها إلى مكانها، مرة أخرى.

    لم تتبق له إلا سيجارتان، واحدة سيدخنها متبخترا أمامي، والأخيرة سيودع بها يوما آخر قبل أن يستسلم للنوم..
     ينفض عنه الغبار مرة أخرى، يتطلع إلى السيارات المسرعة أمامه.. بالكاد يتفادى علبة مناديل ورقية فارغة يرمي بها أحد السائقين من سيارة فارهة. يبتعد عن الطريق قليلا.. يبادره عمّي عبد الرحمان، كعادته:
    - حْب اللي ما يحبك، باطل تشقى.. اتسنى اللي مايجيك، فالطريق تبقى..
    - غادي تجي آعمّي عبد الرحمان، غادي تجي.. يردد بدوره..
    - خويا، عندك الصرف ديال خمسين درهم؟ يسأله أحد الأطفال
    - مكنكسابش خمسين درهم أخويا.. يرد بامتعاض
    ينظر إلى ساعة هاتفه المحمول، ثروته الوحيدة، ثم يخطوا بضع خطوات في كل اتجاه..
    يمسح عن جبينه بعض التعب، كان يومه طويلا، مرهقا.. عبر المدينة جيئة وذهابا باحثا عن فرصة عمل.. وعده أحدهم بتشغيله حارسا.. له اليوم نبأ سعيد يخبرني به 

    ***

    تتفحص وجهها للمرة العشرة في المرآة العتيقة، تقتلع شعرة أخرى من حاجبها. ثم تستعرض مرة أخرى ثوبيها.. أتلبس سروال الجينز والكنزة الصوفية السوداء أم تنورتها البنية والكنزة الصوفية السوداء ذاتها؟ تؤجل القرار لحظة، لتحاول تثبيت شعرها الكثيف.. تتذكر أن تغسل أسنانها وتسرع إلى الحمام.. وهي راجعة تبادرها صاحبة البيت ومشغلتها،
    - باقية هنا، الم تذهبي بعد؟
    - غادي غي نبدل حوايجي ألالاّ ونمشي..
    - لِبسِي الجلابة وسيري باش ما تعطليش.
    تعود إلى ركنها في حجرة المؤونة، تعيد لباسيها إلى حقيبتها القديمة، وتلبس جلبابها الأسود، تعرف أني أحب شعرها مسدلا، فترتبه قليلا وإذ تنادي عليها لالاّ حليمة مرة أخرى، تسارع إلى الخروج..
    -  جمعي داك الشعر وغطّي راسك..
    ترجع مرة أخرى إلى ركنها، تجلب منديلا وتخرج أخيرا.. تعبر الشارع الأول، وتدق بخفة على صديقتها نورا.. تفتح الأخرى الباب بسرعة..
    - تأخرتِ.. تبادرها بينما تجرها إلى الداخل، ترسم لها شفتيها بقلم أحمر، تحرر شعرها ثم تدفع بها إلى الباب محتفظة بالمنديل:
    - سلمي عليه..
    وتنطلق مسرعة، تسابق الوقت لتصل إلي.. قد نحظى بوقت أكثر معا

    ***


    - اتسنيتي بزاف؟
    - لا عاد وصلت.. خلاتك مولات الدار تخرجي؟
    - نعم.
    يبحث عن يديها ليحتضنها بيده.. يفكر في سيجارته وعمله المرتقب..
    تترك له يدها.. تتمسك به.. تفكر في لالاّ حليمة وكل ما طلبت أن تحضره لها من عند البقال. ليس أمامها وقت طويل..
    ينصرفان على عجل.. سيقومان بجولتهما المعتادة حول بضع مبان، ثم يرجعان إلى  نفس المكان ليفترقا.. من بعيد يتتبعهما عمّي عبد الرحمان بابتسامة حزينة..

     

     

    February 01

    مد وجزر

    كان البحر يرتمي تحت قدميّ موجة، موجة. و بين كل واحدة وأخرى، يتراجع. تركت ملح الماء يتسرب إليّ من حذائي الخفيف،  شيئا فشيئا. كأنه يتذوقني. كل موجة تستبيح قطعة جديدة من جسدي.. استيقظت باكرا ذلك اليوم. انتقلت بخفة من سريري إلى يوم جديد. انتقلت بخفة من ساعة إلى أخرى. تعلقت بالأمل  طوال اليوم. كيف وصلت إلى هذا الشاطئ؟ كيف انتقلت من النقيض إلى النقيض؟

    درس تلو آخر، أتعلم في كلية الحقوق، مبادئ الحريات وحدودها.  لم أدرك انه سيكون علي أن أواجه حدود حريتي بتلك السرعة! تعلمت مذ كنت طفلة أن أتحايل لأحصل على قطعة خبز أكبر، ثم لأحصل على درس إضافي، ثم لأحصل على فستان أو حذاء.. وزعت ابتساماتي وبعض الغنج هنا وهناك.. لم أكن أتجاوز حدود الآخرين، كنت فقط أوسع حدودي. أستاذ القانون المدني، لم يكتف بالغنج. لم تشبعه ابتسامتي.. على مكتبه، توغل في أنوثتي باحثا عن سري الدفين.. صددته مرات عديدة، لكنه ذلك المساء تحين اللحظة جيدا، وحاصرني على مكتبه، دفن رأسه في صدري باحثا عن حليب يطفأ ظمأه. أمسكت رأسه بكلتا يدي ورفعته لأعلن اعتراضي لكنه طار إلى شفاهي يعضهما.. أشعرني وخز شاربه الكثيف بالغثيان، أردت أن أتراجع ثم كان أن تبادرت الفكرة إلى ذهني.. ألستُ امرأة حرة؟ ألست أعلن لكل من يرغب في الاستماع، أنني المالكة الوحيدة لجسدي؟ ألست التي تحتقر ذلك الغشاء الغبي الذي يحد حريتي؟ فلم لا أمنحه لهذا الرجل المتعطش مقابل ثمن أحدده؟

    دفعته بصرامة أكثر وواجهته:

    -         تريدني؟ سأسلمك جسدي، لكن عليك أن تدفع المقابل..

    -         لقد وعدتك بالعلامة، رد بصوت متهدج.

    -         ثمني أكثر من علامتك، أريد أن تؤطر بحثي.. أريد الحصول على شهادتي دون عراقيل.

    بعد اخذ ورد، تم الاتفاق. وعادت جثته تبحث عن إكسير انوثتي  علّه يعيدها إلى الحياة. تركته ينزع عني ثيابي وحاولت أن أسايره، أليس خياري؟ غرست أظافري في لحمه المترهل، بينما دس جسمه بين فخذي. راودني بعض الأسف، ثم قررت أنني لن أوليّ الأمر أهمية مفتعلة. قررت أن أصنف اللحظة في خانة تبادل المصالح وأن لا أتذكرها إلا تحت هذا العنوان.

    وانطلقت أبحث عن فرصة أخرى أقتنصها. مقابلا بمقابل، أقوي حظوظي للحصول على الشهادة الجامعية وربما عمل. ذلك اليوم لم يكن مفترضا أن يكون مختلفا. كنت في مكتبة الجامعة حين شعرت بالدوار.. خفيف في البدء. اعتقدت انه نقص في الغذاء فأنا لم أتناول إلا بعض البسكويت مع كأس الشاي صباحا. لكن حالة الدوار ازدادت سوءا. وجدتني أواجه نظرة تعاطف من الطبيب، سرعان ما داراها امام نظرة التوبيخ من ممرضته.

    -         منذ متى أنت حامل؟

    حامل؟ وكأنه سيغمى عليّ مرة أخرى، تمسكت بطاولة الفحص. حامل!

    غالبت شعور الإعياء لأبحث عن حل. فجأة كانت الحدود تضيق علي الواحد تلو الآخر. تمسكت بذراع صديقتي منى، وعبرت الساحة الجامعية ذهابا وإيابا ابحث عن أب محتمل للطفل الناشئ في بطني. ذهبت أولا إلى أستاذ القانون المدني..

    -         لا ترميني ببلواك، لقد نفذت اتفاقنا، ستحصلين على شهادتك بدرجة امتياز.. لكِ أن تتخلصي مما ببطنك دون أن تزعجيني.. ثم هل أنت متأكدة انه لي؟

    خرجت من مكتبه ابحث عن الآخرين.. واحدا تلو الآخر تملصوا من أي مسؤولية. مدير شؤون الطلبة الذي دبر لي سكنا بالحي الجامعي، ألقى بالقشة التي قصمت ظهري:

    -         إذا لم تتصرفي، سأعلن الخبر، وأتحقق بنفسي من طردك من الجامعة.. سأكون كريما معك وأساعدك بمبلغ لتتخلصي من ذلك الطفل..

    ومد يده لجيبه ليخرج محفظته بينما تراجعت بهلع إلى الباب.. شعرت بالدموع تنهمر على وجهي. لستُ بائعة هوى! أنا امرأة اختارت أن توسع حدودها الضيقة. لم أتعدى على حدود الآخرين..  لحق بي إلى الباب ودس مبلغا ما في حقيبتي:

    -         إنني أسديك النصيحة. لا تترفعي عن هذا المبلغ، وطالبي عشاقك بالمساهمة وأكملي حياتك..

    وجدتني أجر خطواتي وحيدة، إلى البحر بعد أن تخلت صديقتي عني، فهي لم ترغب في تعريض سمعتها للخطر. وجدتني أواجه البحر، أغمس فيه قدماي أتذوقه ويتذوقني.. أردت أن أتوارى فيه.. أن يحملني خارج قفصي إلى الموت. للحظة تصورت أنني أستحق أن أضع حدا لحياتي لأتجاوز الحدود التي تحيط بي من كل صوب.. أليس هذا الجسد لي؟ ألست حرة في امتلاكه بالطريقة التي تناسبني؟ لم لا يمكنني أن أكون مساوية في رد الفعل كزميلي سمير الذي ينتقل من طالبة إلى أخرى دون خشية من العواقب؟

    وأحاول تلمس بطني، فأجده أملسا كعادته. هذا الطفل المتطفل على حريتي، أهو الضحية أم أنا؟ وأخطو خطوة أخرى لأنغمس أكثر في المياه الباردة. وتلاقيني أمواجه ثم تتراجع المرة تلو الأخرى.. اقترب فتبتعد وأتوقف فتدنوا أكثر.. ثم تغمرني المياه أكثر، تصعد متلمسة طريقها إلى جسدي بأكمله. تغمر ركبتي، أشعر بالماء يدغدغني، أشعر بالإثارة، أتذكر الأيد التي تبعت ذات الطريق.. أتذكر رعشة انتابتني وأنا أوسع حدودي.. أمد يدي كأنني سأدفع بالماء، كأني سألاعبه.. وأجده قريب مني، اقرب.. أشعر به يلامس مثَلثي، فأنتفض!

    لا! لن أموت اليوم..