فاطمة الزهراء's profileنصوص فاطمة الزهراء الرغي...PhotosBlogListsMore Tools Help

Blog


    March 26

    متاهة العشق أو أنت وأنا.. وأنت

     

     

     

    على الهاتف، هذا الصباح، كنت كعادتك عابثا.. مم تهرب؟

     مني، أم من الأخريات؟

     

    لابد أنك تهرب من نفسك.. تراوغ  لتهرب من خوفك.. لست إلا امرأة.. لست جنية لأسحرك ولا ملكة لأسلط عليك حراسي.. لا أملك إلا هذا الجسد.. ليس كاملا.. ربما جنوني يعطيه ألقا  لا تملكه الأخريات...

     

    أنهيت الاتصال وأنا أتساءل كيف انتهى بي الأمر، عاشقة لرجل عابث؟

    لدون جوان يخاف التورط في هواجسه فيعبث بأجساد النساء؟

     

    لم خوفك؟

    هل آتي إليك لتعرف أني لا أشكل تهديدا؟ هل أشاركك كأسك لأسلمك مقاليد جنوني؟

    أم ادعوك إلي؟ ليتعرف إليك الجميع؟ وأعلن للملأ أنني انضممت إلى عبثك؟

     

    تراودني صورنا معا ,أخاف أن يراها على وجهي زملاء العمل.. أنسخ الأوراق التي طلبها رئيسي، وأتذكرك تكتب على جسدي كلمات أخرى.. أينك الآن؟ ماذا يشغلك عن عبثنا؟

     

    -         سامية، أين التقرير الذي طلبته؟

     

    رئيسي، شارد كعادته عني ..ألا يرى جنوني .. ألم يلمس سحري .. أسلمه التقرير هو منشغل بقراءة الأرقام وأنا به، عنك.  

    هو أيضا دون جوان.. أتساءل كيف له كل تلك النساء.. ثم ألحظ يديه، كبيرتين، نديتين، دافئتين..

     

     كنت سأنمو بين يديك، لم أبعدتني؟ أنظر إلى رئيسي وهو يغادر إلى مكتبه.  بينما يضع فؤاد ملفا آخر فوق مكتبي ..

    أقول معترضة حالما ينصرف رئيسنا..

     

    -         ألم تجلب لي ما يكفي من العمل لليوم؟

    -         إذا شئت أساعدك في إعدادها، أمهليني فقط بعض الوقت لأنهي عملي..

     

    فؤاد يصلي.. يناديني " بأختي " ثم حين أدعي أني منشغلة عنه، أحس بعينيه تخترقان جسدي

    .. هل ستضعين الحجاب؟ يسألني كل مرة.. ولا أجيب..

     

    -         امنحيه فرصة، تقول منى..

     

    لكنني منشغلة عنه بك.. متى نلتقي؟  صوتك بدا باردا، بعيدا.. هل أنت مريض؟ أأتعبتك النساء أم هو رذاذ البحر الذي يتسلل عبر نافذتك، ألم أطلب منك إغلاقها؟

    لم لا تجيب على الهاتف؟ .. أسدل ستائري جيدا.. كمال الساكن في الشقة المقابلة، يحب استراق النظر بينما يدخن سيجارته الأخيرة..

     

    - هل توقفت أخيرا عن التدخين؟

     

    أحاول النوم.. لكن ذراعك ليست هنا لتحتضن كآبتي.. أتراك تعاقر الخمر أم امرأة أخرى؟

    غدا لن أهاتفك.. سأنتظر اتصالك.. الرجال يحبون النساء اللواتي يصدنهم.. كيف أصدك وقد ولجت عالمي ..

     

    -         خبزه واحدة من فضلك..

     

    ابتسامة البائع تزعجني.. لست له.. لم يستبيح مغازلتي.. أنصرف منزعجة.. منى تقول إن جارها فقيه متمرس في كتابة الحجابات.. قد أذهب إليه..  لكنني لا أعرف اسم أمك ولم أحتفظ بخصلة من شعرك الأشعث..

     

     انقضى الصباح بطريقة ما, أشعر بالتعب لم يرد أي اتصال منك.. أحمل سماعة الهاتف، رئيسي غادر لموعد عمل، أستغل الفرصة لأهاتفك.. لا ترد.. لم تسمعه؟ مرة أخرى وأخرى..

    ألا تريد أن ترد؟ بحق جنوننا، رد..

    وفؤاد يجلب لي كأس ماء حين أعطش , يأخذ الملفات ليعدها..

     

    -         ارتاحي قليلا.. سأجهزها حالا..

    -         امنحيه فرصة، تعاود منى وهي تبتسم مخفضة رأسها تكلمني دائما من فوق نظارتها الطبية

     

    وأنت؟ هل ستمنحني فرصة أخرى؟ سترى إنني مجنونة مثلك، أكثر من الأخريات..

    يعود رئيسي منهكا، بصوت مبحوح، لابد أن موعده كان حافلا..

     

    -         اتصلت مريم، هل أمررها لك الآن؟

    -         لا، إن اتصلت، تخلصي منها..

     

     

     

    هل اكتفيت مني أيضا؟ ستعبر إلى امرأة أخرى؟

    وحينها يسألونك هل تعرفـ..ها؟ وتحاول أن تتذكر.. لكن ذاكرتك مثقلة بالأسماء وبالنسيان..

    لم اخبر غيري، بوجودك.. أحيانا لا أصدقني.. أنا لن يسألني أحد..  لكنني سأذكر نفسي كل مساء بضرورة نسيانك..

     

    فؤاد يسألني إن كنت بخير.. نعم، قليلا..  يعرض أن يوصلني إلى البيت.. لم لا.. يجب أن أنساك.. ويرن الهاتف، إنه رئيسي..

     

    -         سامية ، لا تغادري.. اشتقت إليكِ ..

    أتذكر الآن أنني سأظل مسكونة بك وبهواجسي .

     

     

     

    March 11

    الثامن من مارس.. وأشياء أخرى

     

     

    في ذكرى رحيل شقيقي، محمد الإدريسي الرغيوي.. وذكرى آخر درس تعلمته منه..

     

     

    كان اليوم حافلا منذ بدايته، طويلا.. استيقظت باكرا جدا. حاولت أن لا أزعج شقيقَي الأصغرين الذين يشاركاني الحجرة. كريم بالخصوص، الكريم بصراخه واعتراضه كلما أصدرت أقل صوت.. غيرت ملابسي مسرعة،  عرجت إلى المطبخ، وضعت على قطعة خبز بعض الزبدة، وفي أخرى وضعت بيضة مسلوقة إضافة إلى قطعة طماطم، حملتها في حقيبتي وهممت بالخروج.

     

    -         هل أنت ذاهبة يا ابنتي؟ أتاني صوت الحاجّة من الغرفة الأخرى

    -         نعم، آمّي..  بْالسلامة.

     

    وانصرفت، بينما استرسلت هي في دعائها:

     

    -         الله يوقف لك أبناء الحلال في طريقك ويحميك من كل شر..

     

    لسعتني لفحة الهواء البارد، حالما خرجت. أيام الشتاء قاسية. لبست تحت سروالي الجينز سروالا قطنيا وارتديت كنزه صوفية، لكنني رغم ذلك شعرت بالهواء البارد يتغلغل إلى مفاصلي. ربما عليّ أن أقتني معطفا.. عليّ أن أزور محل الطنجاوي يوم الأحد.. قد يكون أحضر سلعة جديدة من سبتة. وقد أتمكن من إقناعه بتقسيط الثمن إلى دفعات.. بضاعته مستعملة لكن منذ أن امتدت شريحة زبوناته لتشمل المدرسات والموظفات، أصبح يتمنع عن تقسيط الدفع.

     

    الطقس بارد فعلا، والليل مازال مستوطنا المدينة.. عواميد الكهرباء تبعث ضوءا خجولا بالكاد يجعلني أتفادى الحفر الكثيرة في الشارع... أقترب من كشك الحارس الليلي للسيارات و..لي. أحيانا أعطيه مبلغا صغيرا.. أعلم أنه سيحميني من مضايقة متسكع سكران أو محشش.

    -         صباح الخير، أخي عبد السلام.

    -         صباح الخير، آختي يرد بصوته الجهوري.

    ربما صوته هو سلاحه الأكثر فعالية. عبد السلام رجل ضئيل الحجم في بداية الأربعينيات. يعمل ليلا ليترك مكانا كافيا لأولاده الخمسة للنوم مع أمهم في الغرفة الوحيدة المستأجرة. يسهر لآخر الليل مع شباب الحي، يدخنون  الحشيش والنكت الجنسية. شقيقي الأكبر  يشاركهم السهر.. لحسن الحظ لا ألتقيه إلا نادرا.. يكون قد استسلم لتوه للنوم حين أغادر للعمل وعندما أرجع يكون قد خرج بدوره. أسلم منه طالما  تركت له مبلغا مع الحاجّة. إذا تأخرت بالدفع، يختفي شيء من البيت، إناء ما أو لباس.. أحيانا أتعرض لنوبات غضبه:

     

    -         ولماذا تعملين؟ أنا الذي يسمح لك بالعمل.. سأسجنك في هذه الدار إلى أن يقبل بك رجل أيها العانس أو تموتين..

    وعندما أحاول الاعتراض يرعد ويزبد:

     

    -         أنا رجل الدار.. لا كلمة إلا كلمتي..

     

    وتهدئه الحاجّة كعادتها:

     

    -         ييه ياولدي، أنت الراجل طبعا..

     

    الله يسامحها.. لو تركتني لكنت اشتكيته للشرطة.. لو أن لي عملا أفضل، لاستأجرت بيتا بعيدا منه ومن هذا الحي المليء بالبؤس.. بيد أن شهادة الليسانس في الأدب العربي لم تؤمن لي عملا.. هي دروس الخياطة التي أنقذتني..

     

    وأنا أقترب من موقف الحافلات، ألتقي بعض المصلين الذاهبين لصلاة الفجر.. الشباب ملتحون، مسرعون، بالكاد يرفعون بصرهم عن الأرض.. الأكبر سنا، يتقدمون بخطوات متثاقلة، يتطلعون إلى الوجوه وهم يقلّبون حبات التسبيح ويتمتمون..  جمعٌ من الفتيات وعدد أقل من الشبان سبقوني إلى المكان.. ألقيت التحية بصوت خافت وأنا أنضم إليهم.. لا تعلوا أصواتنا حتى نركب الحافلة..

     

    - آحْمْد، شغل الراديو.. آحْمْد، هاك كاسيت هيفا الجديد..

     

    وأحمد أو أحد زملائه يتحمل ضجيجنا ومزاحنا ذهابا وإيابا.. حاولت الإسراع للحصول على مقعد، دون جدوى. هذا النهار الذي لم يبدأ بعد طويل، طويل.. واقفة، محشورة بين الآخرين أحاول تتبع الحديث الدائر.. لستُ محايدة.. مثل الباقين أتلذذ بتناقل الأخبار عن سكرتيرة المدير وعلاقتها المزعومة مع المحاسب أو عن طلاق زميلتنا التي تزوجت منذ شهرين..تلك تعويذتنا للانتقال من يوم إلى آخر دون ملل. وصلنا أخيرا. إنها الخامسة صباحا.. بدأت خيوط الضوء تغزل الظلام لتبعده. دخلت إلى مبنى المعمل.. قد لا أرى أشعة الشمس اليوم، وحدها الإنارة البيضاء الساطعة، سترافقني إلى آخر النهار.. أتوجه إلى مكاني متفادية البلبلة المعتادة لزميلاتي. ألقي التحية على بعض المراقبات.. يجب دائما الاحتراس منهن. قد تنقلبن على إحدانا في لمح البصر.. وقد يصل الأمر إلى الطرد.

     

    وضعت بلوزة زهرية اللون مثل الأخريات، وجلست إلى ماكينتي. أزلت غطائها ووضعته قرب حقيبتي على الأرض. ثم باشرت بتمرير قطع القماش تحت الإبرة.. هذا الأسبوع نخيط قمصان نوم حريرية للرجال.. ذات لون أزرق قاتم كلون البحر الثائر أحيانا.. أتصور رجلا يرتديها، ربما كرجال الدعايات، أسمر، طويل ولا مبالي.. محظوظ هو ومحظوظة امرأته.

     

    طوال فترة الصباح، كررت عملية الخياطة مرارا وتكرارا.. أصبحت أرى كل الأشياء زرقاء كلون البيجامات، حتى وجه المراقبة وظهر زميلتي الذي يقابلني.. عليّ أن أزاوج بين السرعة والإتقان. أجري مرتبط مباشرة بالأمرين..

     

    أشعر بجفاف في حلقي، لم أتحدث منذ الصباح، وحده صوت المذياع له الحق في مرافقة ثرثرة المراقبات وضجيج آلات الخياطة.. حوالي العاشرة، نحظى بأول استراحة. أسارع إلى المراحيض. أتزاحم مع الأخريات لئلا أتجاوز الوقت المحدد، أتجاهل مشادة بين زميلتين.. ربع ساعة فقط لنقضي حاجتنا.. أخرج من هناك، أتناول من جيب بلوزتي قطعة بسكويت وألتهمها.. كنتُ مدورة، في الجامعة. كان جسمي المليء يثير الرغبة والغيرة.. الآن لم اعد أحمل إلا عظامي.. وحدهن المراقبات والملتحقات الجديدات بالعمل يتمتعن ببعض الوزن الزائد.

     

    استمر يومي رتيبا، طويلا إلى فترة الغذاء. خمسة وأربعون دقيقة.. تناولت سندوتشي.. وإذ بقي إحساس الجوع ، قررت أن أتطفل على ميزانيتي وأشتري ياغورت.. نجلاء وأخريات يستعرضن مالهن ويطلبن ساندويتش كفتة أو كبد.. هن لا يصرفن على أسرة كاملة.. وأحيانا يكون لديهن صديق  يغدق عليهن بالهدايا.

     

    عندما أخبرت سعيد أنني أعيل أربع أشخاص، التفت إلى فتاة أخرى.. نحن في هذا المعمل كثيرات..

     

    وأنا عائدة من فترة الغذاء، استوقفتني المراقبة، هل من خطب، فكرت؟ إذ اصطحبتني إلى مكتب مراقب الإنتاج.

     

    - أدخلي، قال بصوت ناعم بينما تراجعت المراقبة مغلقة الباب وراءها.

     

    تقدمت قليلا ووقفت أمام المكتب..

     

    -         أنت حاصلة على الليسانس إذا؟

    -         نعم، أجبت.

    -         ممتاز، قال بتحمس، ضاغطا على حرفي الميم.. لقد اخترتِ لمهمة مميزة. سيسري راتبك كالعادة وسترتاحين من ماكينتك لباقي اليوم.. إذا أحسنت التصرف ستحصلين على علاوة وتوصية لمنصب مراقبة.

     

    هل هو يوم سعدي؟ تجاوزت عرض العلاوة لأتخيل منصب المراقبة، أجر أعلى ومجهود أقل..

     

    -         ما الذي عليّ عمله سيدي؟

     

    وقف المدير ودار حول مكتبه.. نظر إلي متفحصا، اقترب أكثر ووضع يده على كتفي..

     

    -         مم..

     

    هل هذا هو الأمر؟ لا! يا للمصيبة! لم أنا بالذات؟ لم أحاول لفت  أنظاره. لم أبتسم له يوما. لم أقل له صباح الخير. أو .. مثل بعضهن، بغنج واضح:

     

    -         يناسبك لون البذلة، يا سّي مرزوق.

    -         انزعي بلوزتك..

     

    ضممت ذراعي على صدري بهلع..

     

    -         سيدي، أنا يتيمة الأب، أعيل..

    -         لا تخافي! قاطعني بصوت منزعج. لست هنا لأجل إرضائي.. انزعيها.

     

    حاولت أن أفكر في سبب يساعدني لأعترض أو لسبب منطقي لأنزعها.. تداخلت في رأسي الصور، نزعتها بتردد..

     

    ألقى نظرة سريعة وعاد لمكتبه.

    -         يجب أن نجد لك قميصا آخر..

     

    وفي لحظات وجدتني، حائرة، أرتدي قميصا آخر في مكتب المراقبات.  وعدت إلى مكتب مدير الإنتاج لأجده رفقة مدراء آخرين.. مثله، تفحصوني بنظرة ثاقبة... شعرت باحمرار يعلو وجنتي.

     

    -         إذا أنت حاصلة على الليسانس في.. بادر أحدهم.

    -         الأدب العربي، سيدي.

    -         ممتاز.. إذا، سنتوقع أن تتصرفي جيدا. إذا رضينا عنك ستحصلين على العلاوة والترقية..

    -         نعم، سيدي. لكن..

     

    قاطعني بحزم:

     

    -         سيرافقك سّي مرزوق، تقيدي بتعليماته وسيكون كل شيء على ما يرام..

     

    ما الذي سيكون على ما يرام؟.. تبعت مدير الإنتاج إلى قاعة أخرى. هناك كان فريق تصوير ينتظر..

     

    -         هذه عاملة لدينا، ستجيب على أسئلتكم.

     

    تطلعت مشدوهة إلى المذيعة وهي تقترب مني بابتسامة جامدة.. بينما سلط تقني ضوءا قويا على وجهي وأمسك آخر بعدسة الكاميرا.. التفتُ إلى مدير الإنتاج متسائلة لكنه اكتفى بحركة رأس خفيفة.

     

     استهلّت المذيعة الكلام بصوت واضح:

     

    -         نحتفل جميعا اليوم، بتخليد ذكرى الثامن من مارس.. اليوم العالمي للمرأة.. وهي مناسبة أبينا فيها إلا أن نتوجه إلى شريحة مهمة من النساء لنسألها عما يمثله لها هذا اليوم.. معي إحدى العاملات النشيطات في المجتمع..

     

    أبعدت نظرها عن عدسة الكاميرا وتوجهت إلي مباشرة:

     

    -         هل يمكنك أن تخبرينا عما يمثله لك يوم الثامن من مارس؟

    ....