فاطمة الزهراء's profileنصوص فاطمة الزهراء الرغي...PhotosBlogListsMore Tools Help

Blog


    April 22

    ضحك وبكاء واعتراض

    متى أضحك أخيرا؟

    متى أستسلم لنوبة ضحك ترخي عضلات الوجه والقلب معا؟

    وقد أنسى حينها للحظات وجع الفقدان والألم والخيانة والوحدة الموحشة؟ وربما لوهلة، أثناء استسلامي للقهقهة، قد أستعيد شيئا من طفولتي.. وربما أتذكر طعم القبلة الأولى.. او  يد والدتي الدافئة عندما كانت تمسد شعري..

    لكن الضحك أصبح عملة نادرة في واقعي.. أحاول أحيانا، دون جدوى.

    أقف أمام المرآة، و آمرني بالضحك.. بكلتا يديّ، أبعد شفتيّ.. وأحاول إخراج صوت قوي.. فلا أسمع إلا الصمت..

    يبقى فمي مفتوحا إلى أن يؤلمني فأستسلم وأطبقه..أطبقه عن الضحك وعن الكلام..

     

    أصرخ  كثيرا وطويلا.. جيراني حفظوا صوتي العالي وأعلنوا انزعاجهم.. لكنني تحديتهم.. أنا موجودة بينهم، لذا عليهم أن يسمعوا صراخي..

    -         لا تفعلي، تردد جدتي بصوتها الأكثر صرامة.. الفتاة لا تضحك عاليا.. إنها تبتسم، فقط..

    أضحك أعلى وأسألها:

    -         لما؟

    جدتي لم تكن تملك كل الإجابات. كانت تعلم فقط ، ما الصحيح وما الخطأ. وحين كانت تضيق علي نطاق حريتي بما يجب ولا يجب، كنت أصرخ عاليا.. لا.

    لا.. كانت كلمة سهلة..  كنت أنطقها ببساطة تماما كما أسأل  " لما.. "

     

     وإذا توجب الأمر، كنت أبكي.. البكاء وقتها كان هينا أيضا.. كنت أترك الدموع تنساب كلما أردت.. يكفي أن أشاهد فيلما أو أن يرشقني أخي بكلمته المعتادة :

    -         أنتِ طفلة مدللة

     .... بعدها أقهقه عاليا ساخرة من حساسيتي المفرطة..

    الآن هجرتني الدموع .. أستغل أي مناسبة لاجتذابها .. لكنها تقاوم ..

    " أجدني " الآن مفرغة من عواطف أساسية.. أنا التي أكره صفة الحياد..

    وجودي أصبح مشكوكا به. فمقدم الحي رفض تسليمي شهادة السكنى، لأنه لم يتوصل بشكوى عني، والجيران يعتقدون أنني سافرت.. وحبيب سابق اعتقد أنني هاجرت..

    وأنا مازلت هنا، في نفس الدار.. ألملم ما تبق من عواطفي، وإن كنت الآن..

    لا أسأل.. ربما لأنني فقدت الإيمان بوجود أجوبة منطقية لكل شيء..

    ولم أعد أعترض.. ربما لأنني " تركتني " أنجرف مع التيار..

    ولم أعد أضحك.. لأنني فقدت القدرة على البكاء..

                                                                                  

    كلمة مستعصية على الفهم

    لو أن الكلمة المنقوشة على طاولتها المدرسية لم تحدث كل ذلك اللغط والاهتمام من قبل زملائها في الفصل، لما اهتمت لبنى للأمر. علي، الذي يشاركها الطاولة، ومن نقش الكلمة عليها، هو أول من أثار انتباهها بأن هناك شيئا مريبا.  رفض أن يخبرها عن معنى الكلمة، ثم إنه كان غالبا ما يخفيها بدفاتره. لابد أن الكلمة خطيرة جدا. لكنها بلغة غريبة. أربعة حروف لاتينية فقط، استعصت على الفهم.

     

    أولا، سألت لبنى صديقاتها المقربات. لكنهن مثلها لم يدركن معنى الكلمة. وحين أعلن زميلها سمير أنها كلمة "حشومة" و"عيب" ، انفضت الصديقات عن لبنى... وبشكل ما حملت الفتاة عار الكلمة المنقوشة على طاولتها. اعتزمت أن تعرف الحقيقة من علي مهما كلفها الأمر، فهو أصل البلاء.. لكنه لاذ بالصمت.. أصرت أكثر، فاعترف أخيرا أنه نقل الكلمة من دفتر أخيه الأكبر الذي يدرس في الثانوية، لكنه لا يعرف معناها!

     

    استمر الاهتمام بالكلمة اللغز لبضعة أيام، ونافس إعلان زواج زميلتهم نادية، التي وإن كانت كبرى بنات الفصل إلا أنها لم تتجاوز الرابعة عشر عاما..

     

    ثم  كان على الأستاذ أن ينتبه للأمر. حين توقف أثناء شرحه الدرس، أمام طاولتهما. حاولت لبنى إخفاء الكلمة بكتابها، بينما انزوى علي خلف وجه ملائكي مخادع تماما كما يفعل شقيقها الأصغر حين يكسر شيئا..

     

    -         ماذا تخفين هناك؟ سأل الأستاذ. ألم أمنعكم من الكتابة على الطاولات..

     

    وإذ أزاح دفترها، اعتلت وجهه نظرة التجهم وعلمت لبنى أنها في مأزق.

    -         لم اكتبها، أستاذ.

    -         إنها طاولتكما.. رد موجها حديثه لها ولزميلها . إذا لم تخبراني عمن كتبها ستعاقبان.

    -         لست أنا، قال علي بصوت متوسل.

     

    تطلعت لبنى إليه مترددة ثم رددت ذات الجملة.

     

    تحملت رفقة زميلها العقاب. ونظفت الطاولات وهي مصممة على معرفة معنى الكلمة..

    حالما وصلت مساءا للبيت توجهت إلى شقيقتها الكبرى تسألها عن معنى الكلمة بصوت خافت وبعد أن استحلفتها أن لا تخبر والديهما.. هي تثق بمعرفة شقيقتها بكل الأمور.

     

    -         أهذا ما تتعلمين في المدرسة؟ من علمك هذه الكلمة، قولي.. إذا رددتها مرة أخرى سأعلم أبي وسأبلغ المعلم..

     

     بالكاد فلتت لبنى من غضب شقيقتها.. لكنها لم تعلم معنى الكلمة. راودتها الأربع أحرف في الحلم، واستيقظت مرتعبة.. لا بد أن تعرف معناها..

     

    شغلتها الكلمة الغريبة طويلا.. وأخيرا اهتدت إلى حل، حين ذهبت إلى المكتبة العامة لإجراء بحث طلبه المعلم.. هناك، أخذت القاموس وبحثت عن الكلمة..  .وأخيرا وجدت شرحا لها:

     

    LOVE .. الحب..

    April 05

    هو والنساء

     

    أتت الفتاة مبتسمة، إليه:

    -         هل تسمح بصورة مع كل الأسرة؟

     

    دفعت فتحة ابتسامته ملامح الحزن عن وجهه، وأخذتها بعيدا إلى عينيه. هو لا يحب شكله في الصور وغالبا ما يخبأها في درج وينساها هناك.. وليد يتشبث به مطالبا إياه برفعه بين ذراعيه، ويأخذه ضاما إياه بقوة.. وليد ابنه الوحيد.. قد لا يدرك الأمر.. قد لا يسامحه حين يكبر.. ستتغير الأمور غدا.

     

    يلمح الابتسامة المرتبكة للعروس.. يشعر بالفخر.. وبالخوف عليها. حذره صديقه أحمد، وهما يحتسيان فنجاني القهوة المعتادين على قارعة المقهى بينما يتابعان باهتمام أجساد المارات:

     

    -         تزوج ابنتك فتشعر أنها تغتصب منك.. هي من نسائك، فكيف تسلمها لرجل آخر؟ لقد بكيت بحرقة يا أخي، تماما كالطفل.. بينما أخذوا صغيرتي مني.. أمها احتارت كيف تواسيني..

     

    لكن كلمات صديقه لم تلمس كل رعبه.. هاهو ينظر إلى لمياء تزف إلى ذاك الفتى المختال كالديك.. منذ البداية أعرب عن اعتراضه.. أصرت زوجته بصوتها الحاد الذي توفره لمناسبات خاصة..

     

    -         إنه طبيب.. احمد الله واشكره.. لأن ابنتك منيت بعريس مثله..

     

    وما همه هو إن كان ذاك الديك الرومي، طبيبا؟

    كم يكره جلسات التصوير.. تبع توجيهات الفتاة المصورة، ووقف متوسطا ابنته والديك.. ثم ابتعد بينما وضع الآخر يديه حول العروس.. تطلع ببؤس إليهما وهمّ بالاعتراض.. لكن صوت زوجته أوقفه..

     

    -         أظنك في حاجة لسيجارة، ودفعت به إلى الباب الخارجي.. وهي توجه إليه التعليمات..

    -         لا تنس أن ترحب بعائلة العريس.. وابتسم قليلا لأجل ابنتنا..

     

    اندفع خارجا إلى الحديقة، وتوارى خلف شجرة وهو يحسد زوجته على رصانتها.. لقد احتضنها طويلا في الليلة المنصرمة بينما استرسلت تبكي ..

     

    -         كبرنا يا محمد.. ها نحن نزوج ابنتنا الأولى..

     

    يشعل سيجارة ثانية.. خمس بنات ليرزقا أخيرا بوليد.. حاول أن يتخيل نفسه واقفا أمام ذات الشجرة يدخن سجائر أخرى.. أربع كوابيس تنتظره..

     

    بيد أن فتاة أخرى، لا أب لها، اقتحمت خلوته.. غدا لن تبق الأمور على حالها، سيكون هو العريس..

     

    أتى وليد يخبره أنهم يطلبونه في الداخل.. عند الباب، اعترضت طريقه فتاة مدثرة بقفطان ومرصعة بالجواهر.. لون شفتيها الدامي ذكره بالأخرى.. تلك  الدافئة.. لم يستسلم لحضن امرأة كما فعل في حضنها، منذ هجرته أمه إلى رجل آخر.. وحدها أنسته خيبة الأمل، حين استيقظ في صباح باكر ليجد نفسه وحيدا مع جديه.. وحدها سوسن، احتضنت روحه، ولملمت الدموع عن وجه ذاك الطفل الحزين.. إسمها ينسيه كل بؤسه. وفجأة يتذكر أن يداعبها..

     

    -         ألم تكتفي؟

    -         وكيف اكتفي منك؟ إنك تعيدين لي روحي..

     

    فتشرع من جديد في اكتشاف جسده.. بينما ينطلق الطفل الصغير فيه،  فرحا لاكتشاف لعب لم يتخيلها يوما..

     

    تتأبط ابنته الصغرى ذراعه وتجره بفرح لجلسة تصوير أخرى.. يبتسم بسهولة بينما تنساب أمام عينيه سوسن عارية، ترفع الستارة.. لم يحل الظلام بعد، هل تبق معي قليلا؟ وتعود إليه تفتح الأزرار التي بالكاد قد أقفلها وتنزع عنه قميصه، هل شبعت مني؟

     

    يفقد ابتسامته فجأة، إذ يلمح طيف أمه قادما.. من دعاها؟ لابد أنها زوجته التي تحاول كعادتها إرضاء الجميع.. قلبها الطيب يستهلك كل حواجزه.. تصالحه مع الجيران ومع محمد البقال الذي يزيد التسعيرة كما يشاء.. لاشك أنها محاولتها الأخيرة لمد أصر التواصل..

     

    -         هكذا يا بني، تزوج ابنتك ولا تخبرني؟ تبادره بعتب واضح..

     

    لكنه يدير وجهه بعيدا وينصرف بحجة استقبال أحد الوافدين.. ابتعد دون أن يسلم على زوجها الواقف بجانبها.. تمنى لو أنه لم يكن فظا.. لكن خطواته دفعت به إلى حجرة فارغة، ليلعن الليلة كلها..

     

    -         ما بك؟ ألا تستقبل أمك وزوجها؟ راعي فرحة ابنتك على الأقل والضيوف الموجودين.. ألا يمكنك نسيان غضبك لليلة واحدة..

     

    استدار ليتطلع بدهشة لوجه زوجته الغاضب.. لا يتذكرها ترفع صوتها عليه. لكنه يعلم كم تهتم بالمظاهر وبإبداء الأسرة في أفضل صورة.. ذكرته بدجاجة تحمي فراخها..

     

    -         لم أطلب منك دعوتها.. رد بانفعال..

    -         لا، لم تفعل. لكن من حقها حضور زفاف حفيدتها الأولى.. أما آن لغضبك أن يزول؟

    -         ولن يزول..

     

    حين تراجعت إلى الباب وتأكدت من إغلاقه جيدا، تبادرت إليه صورة إحدى البنات خارجة من غرفة الضيوف، غرفة التأنيب، كما يسمينها، مطأطئة الرأس..

     

    -         ستخرج الآن،  وتقبل يدي أمك وترحب بزوجها.. وستلازمهما طوال السهرة..

    -         يا امرأة، لن ترغميني على شيء... لن أسلم عليها وذاك العاهر..

    -         ليس عاهرا، بل هو زوجها.. حين توفي والدك كانت صغيرة ولم يكن بيدها خيار آخر غير تركك مع جديك الذين دللاك أكثر من اللازم.. أكثر من أخويك الذين تربيا في حضن أبيهما..

    -         لم يكن عليها الزواج في الأصل..

    -         ولم؟

    -         ولم تسألين؟ هل إذا مت اليوم ستتزوجين، غدا؟ رد بعنف متفاديا الإجابة..

     

    وللحظة عم الصمت أرجاء الحجرة.. التفت مستغربا.. بدت شاحبة.. هادئة..

     

    -         لم تمت بعد، لكنك توشك أن تكون كذلك بالنسبة لي.. إذا سمعت أنك زرت تلك السوسن العاهرة مرة أخرى.. أقسم أن أرتمي في حضن أول رجل ألاقيه.. سأدعي أنني أرملة وسأعهر بهذا الجسد الذي لم يمسه غيرك..

     

    لوهلة تصورها تعرض جسدها المكتنز الذي بدأ يمتلأ أخاديدا، على غيره.. لم يعد يشتهيه كالبدء، حين كان يقتنص فرص غياب الأولاد لتربص بها وليرتوي من حنانها.. كانت تقف بوجه واجم مغلق أمامه.. حاول تخيل يد أخرى تحط على صدرها الذي يرتفع ويهوي سريعا أمامه.. شعر بالرعب.. عادت إليه صورة ذلك الطفل الباكي وهم يخبرونه أن أمه أصبحت ملك رجل آخر... ليس مرة أخرى!.. اندفع إليها رافعا يديه إلى عنقها.. لكنها بقيت واقفة هناك وبصوت غاضب أوقفته..

     

    -         لا تجرأ على لمسي.. لست أمك التي عاقبتها كل هذا العمر.. أنا زوجتك.. امرأتك الوحيدة.. إن تزوجت الأخرى، سأستبيح لي رجلا آخر.. وإن قتلتني الآن، سأفوز أيضا.. إذ ستدفن حيا في سجن ما،  بعيدا عن كل النساء..

     

    توقف مصدوما بجرأتها.. ليست تلك الحنونة التي يعرفها.. بقي واقفا هناك،  بينما غادرت الغرفة بعد أن رتبت قفطانها في هدوء..

     

    بعد قليل تبعها، قبل يد أمه، رحب بزوجها، وابتسم للديك بينما قاوم تدفق صور سوسن شيئا فشيئا..