فاطمة الزهراء's profileنصوص فاطمة الزهراء الرغي...PhotosBlogListsMore Tools Help

Blog


    April 16

    رجل لامرأة أخرى

     

    بدت الحرية بسيطة، أن تترك النافذة وتتوجه إلى الباب، تفتحها ولا تبالي بإعادة إغلاقها، تنزل الدرج وتعبر الشارع المزدحم بالآخرين، تلج البناية المقابلة، تصعد الدرج هناك.. ثم، تقف أمام الباب الموصد ودون أن تهتم باسترجاع أنفاسها أولاً، ترن الجرس بإصرار.

     

    كان الرجل خلف النافذة الأخرى، يجلس أمام طاولة تتوسط الغرفة، ويشكل بيديه قطعة طين. تراه بوضوح من خلف زجاج منظارها، يغطس يديه في إناء الماء ويعود إلى القطعة، يغرس فيها أصابعه أحيانا وأحيانا أخرى يمررها فقط في مداعبة ناعمة ودافئة.

     

    كانت تشرب فنجان القهوة حين انسكب المشروب على الستارة البنية. سارعت إلى إزالتها لكنها انشغلت بمراقبة الرجل الذي يشكل الطين، فلم تنظفها. في الشقة المقابلة لم تكن هناك ستائر تحجب الرؤية، بيد أنها لسبب ما لم تلحظ غيابها إلا حين انكب جارها على قطعة الطين محاولا خلق وجه ما.

     

    تعرفت على شكل الرأس، إذ انغرست أصابعه وشكلت خصلات شعر مشاغبة تستقر أطرافها على أرضية الحامل. فكرت حينها، مرة أخرى، أن تتوجه إلى الباب وتنزل الدرج وتقطع الشارع المزدحم ثم تصعد إليه. حين يسمع صوت الجرس، سيغسل يديه بإناء الماء الذي بجانبه، سيتناول الفوطة المعلقة على ذراع الكرسي، ويذهب ليفتح لها. ستنزع مشبك منديلها، وتريه شعرها الذي يشبه الخصلات التي استقرت على أرضية الحامل. ستخبره أنها عبرت الشارع إليه لتمنحه وجهها  ليضعه على قطعة الطين.. علّها تحظى بقَدَرٍ آخر.

     

    .. لكنه إذ تحرك مبتعدا عن قطعة الطين أثناها عن فكرتها. عندما وصل الباب، رمى بالفوطة على كرسي قريب، وفتحه. تتبعت حركاته الفرحة بقدوم الطارق الغريب والذي لم تتمكن من رؤيته بوضوح.. ثم إذ تذكرت الستارة البنية، فكرت أن تغيرها، ربما بستارة محملة بالفراشات وزهر البرتقال. ربما تضع أمامها مزهرية وتضع لطائر عابر بعض الحب على طرف النافذة...

     

    لكنها اكتفت بتنظيف الستارة البنية جيدا و تثبيتها بمشبك على حبل الغسيل، ثم عادت إلى مكان مراقبتها.. خلف النافذة المقابلة، كان المكان فارغا إلا من وجه طيني يشبه امرأة أخرى.

     

     

     

    حب أيسر

     

    لأنه انتشلها من بؤس حياتها الرتيبة، أحبته. كان ودودا جدا، يلون لها وردا على السحاب العابر في يوم خريفي ويبعث نغمات متقطعة في الصمت الذي يغلفها. كانت دروس الأبجدية التي تعلمها للأطفال في صفها غير كافية لتلقي ببعض الرتوش الدافئة على حياتها. كان الصغار ينتظرون منها أملا ما وكانت تحاول البحث عن زاوية تمكنها من رؤية نصف الكأس المليء.. لذا صدقت أنه مميز جدا، لأنه ذات مساء، إذ بللت وجنتيها بدموع مستحقة، توقف ليسألها إن كانت بحاجة إلى ذراع تسندها. كان الألم يعتصر صدرها دون رحمة، لكنه عندما ضمها إليه بقوة، تلاشى وتحول إلى شعور غامر بالدفء.

    بدت لها العلاقة احتمال جدي للهروب من دروس الأبجدية ومن مشوار الحافلة الذي يمتد ساعة ذهابا وإيابا إلى الحضانة، ومن والديها العجوزين والأميين، وزوجة أخيها التي تأخذ دوشا كل صباح بكثير من التبجح.. كانت لها أسباب واضحة لترغب بالهروب مثلما فعل خطيبها الذي ركب ذات مرة البحر شمالا، ثم اختفى.

    كانت تتذكر الدرس الأول في الفلسفة، مركزية السؤال في البحث عن الحقيقة. لكنها إذ ضمها، تجاهلت أمر الأسئلة وشهادتها الجامعية وما تعرفه أو تجهله. وكانت تكتفي بابتسامة حين يبادر إلى حديث مطول عن الله والحب والوطن. لم تصدق حديثه لأنها لم تتساءل. عندما عادت إلى المنزل، لم تغتسل، ولم تبتسم بتبجح في وجه زوجة أخيها، ولأمها التي سألتها ككل مساء هل من جديد، اكتفت بإيماءة محايدة.

    أمام طبيبة النساء، التزمت الصمت أيضا. لأن الطبيبة أجابت عن أسئلة لم تطرحها، ثم سلمتها بيد باردة وصفة الدواء. تعمدت هي أن تقصد صيدلية بعيدة عن مسكنها وعملها.

    في المطعم، شعرت بغيرة لم تشأ أن تعترف بها تماما، تجاه النساء الأخريات، اللواتي كن يستعرضن أزواجهن بفخر، ربما هناك من يمثلن مثلها، فكرت متشبثة بالورود الملونة على السحاب.

    كان هو يأكل بشراهة، متجاهلا النظرات المتربصة بهما، حتى عندما بادره قريب له بالتحية، لم يرتبك، بينما حاولت هي جاهدة أن توقف تصاعد حمرة الهلع إلى وجنتيها.

    تناولت الشوكة باليد اليسرى، محاولة ادعاء عدم الاهتمام. كانت تعرف أن الأكل هو ضرورة للبقاء. حضنه الدافئ أيضا ضرورة للبقاء، أو هو على الأقل زاوية محتملة للرؤية إلى نصف الكأس المليء. لم تحدد تماما إن كانت ترغب في الحياة، أم أن خلاياها أصدرت الأمر، وإذ أضربت يمناها وظلت جامدة تحت الذقن، تجاوبت يسراها فامتدت إلى الشوكة وبدأت بالتقاط الطعام.

    لكنه تصدى لها:

    -         قولي بسم الله الرحمن الرحيم، وتناولي الطعام باليمنى..

    للحظات بقيت يسراها عالقة بينهما. لم يكن قد بسمل قبل أن يقبلها ويضمها بشوق.. وضعت الشوكة، تناولت حقيبتها، أخرجت منها حبوب منع الحمل ووضعتها على طبقه، ثم غادرت..