فاطمة الزهراء's profileنصوص فاطمة الزهراء الرغي...PhotosBlogListsMore Tools Help

Blog


    May 07

    نافذة

    فسحتها الوحيدة، نافذة بشباك حديدي.. تعودت أن تقف أمامها لساعات طوال رغم اعتراض أبيها.. يأتي صوت الجدة، حادا:

    -         هل نادى المؤذن على الصلاة؟

    -         باقي.. تجيب بصوت غائب

     

    وتواصل وقوفها هناك.. تخشبت رجلاها.. تغير زاوية الرؤية.. تلتفت إلى يمين الشارع.. تتابع حركة المارة، وتستنتج آخر أخبار الجيران..

     

    منذ منعها والدها من متابعة الدراسة قبل سنوات، قلّت فرص احتكاكها مع الناس.. بالكاد تخرج مرة أسبوعيا للذهاب للحمام..

    تلك الجارة كانت حاملا قبل أسبوع.. وهاهي تنزل من سيارة الأجرة برضيع بين يديها.. وصديقتها نورة التي تلتقي بها في الحمام، قد غادرت للتو لملاقاة حبيبها.. وعدها أن يتزوجها الصيف القادم..

     

    هي، كانت تتوقع زيارة من أهل ابن البقال، لكنه أتى بعروس من قريته قبل شهرين.. أخبرتها نورة أن العروس صغيرة جدا ولا تعرف شيئا من أشغال البيت ولا ال....

     تحطم فؤادها حين دقت الطبول وارتفعت الزغاريد من بيت المجاور.. كان يشير لها بيده كلما وقفت أمام النافذة وكان أبوه غائبا.. بالكاد يرفع نظره حاليا، يساعد أباه بنشاط أكبر.. نورة نقلت إليها خبر حمل العروس..

     

    -         أريد أن أشرب..

    سحبها صوت أخيها الأصغر من تأملها، جلبت كأسا وملأتها.

    -         ارفعيني لأنظر..

    -         اذهب وشاهد التلفاز...

     

    لكن الطفل يتشبث بثيابها.. يهددها بإخبار والدهما بوقوفها هناك.. تأتي بكرسي وترفعه فوقه.. ثم تتابع فرجتها.. تلك الجارة اشترت جلبابا جديدا، منذ "حرق" ابنها لأوروبا تحسنت أحوالها. يمل الصغير ويغادر منصة المشاهدة.. وتبقى هناك، تلتفت إلى الجهة الأخرى.. وتراه قادما.. هو ليس من الجيران. لم تره سابقا. أمعنت النظر إليه.. هو ليس متزوجا.. لا حاجة للبحث في يده عن خاتم، الفقراء لا يضعون خواتم الزواج.. شيء ما فيه أوحى لها بأنه عازب.. ربما تنسيقه لثيابه أو شعره المرتب.. لم تسعفها المسافة الفاصلة لترى وجهه بوضوح، لكنه بدا أكبر منها بسنتين أو ثلاث.. لقد اقتربت من الثلاثين، تزوجت شقيقتها الأصغر الصيف الماضي..

     

    تزعجها نظرات الشفقة من الجارات في الحمام والكلام الجارح لزوجة أبيها..

     

    لابد انه يعيل أمه وشقيقين.. لا مانع لها، ستقبل أن تخدمهم كما تفعل مع إخوتها وجدتها وزوجة أبيها.. معه سترزق بطفل أو اثنين لا أكثر.. تريد أن تربيهما جيدا وتعلمهما..

     

    لم يرفع نظره إليها.. انشغل بكيس أسود يحمله... أشفقت عليه من ثقل الكيس.. ربما هو بائع متجول.. لا بأس، ستصبر معه إلى أن يرزقه الله بعمل أفضل... زوج خالتها كان مجرد مساعد بائع ثم اكترى الآن متجرا صغيرا في السوق وتحسنت أحوالهم مذ ذاك.

     

    تقدم قليلا.. ثم توقف أمام حاوية القمامة، وضع الكيس الأسود، ورفع غطاء الحاوية.. رفع جسده  وانحنى قليلا داخلها يبحث في مكنوناتها..

     

    ترقرقت دمعة في عينيها، بينما أخرج علب كولا ووضعها في الكيس وعاد يبحث في الحاوية.. راقبته ينقل غنيمته إلى الكيس ثم وهو ينطلق مبتعدا..

     

    رأته يختفي تماما من أفق نافذتها، تراجعت تمسح دموعها.. أفزعها الصوت الجهوري لوالدها:

    -         ألم أمنعك من الوقوف هناك؟ سأغلق تلك النافذة.. ويارب تموتوا خنقا..

     

    أكمل صراخه ووعيده بينما هربت لاجئة إلى الغرفة التي تتشاركها مع جدتها.. ارتمت في الحضن الكبير واستسلمت للبكاء.. 

     

     

    May 01

    حالة سقوط

     

    قلتُ: بسم الله.. الرحمن الرحيم.. ثم قدمت رجلي اليمنى.. تماما كما يجبُ..

    لفحني تيار هواء بارد، تغلغل إلى مسامي كلها. أغمضت عيني.. لوهلة فقط. فتحتهما لأرى..

     

    لا أذكر ما الذي أتى بي إلى هنا.. حاولت أن أتذكر، دون جدوى.. أي اسم أحمله، أي تاريخ أمتلكه، ما الدافع للحظة العبور هاته؟

     

    تخلت عني الذاكرة.. حاولت أن أفكر بعقلانية، هل لخطوتي هذه أهمية، هل ستخلدني. ربما تطهرني من ذنوبي.. أو أنها تكون خطيئتي الأكبر؟

     

    لم يسعفني ذراعي المتهاوي لأرسل تحية لطائر اعترض مساري.. قاومت انجرافي، ورسمت له في مخيلتي مكانا في الفردوس..

     

    تذكرت.. لوحاتي على الرصيف .. ابتسامة دون وجه، جدول بدون ماء..

     

    قال لي متعهد ما:

    -         أرسم لوحات الفنتازيا والفلكلور.. نساء تقليديات ووجوه ملوحة بالشمس.. هذا ما يطلبه السياح..

     

    لكن الريشة كانت تأبى أن تطاوع جوعي.. مذ أصابتني باللعنة وأنا أعيش على الهامش.. كل ذنبي أني أردت تخليد الوجوه الكئيبة لسكان المدينة على أسوارها.

     

    والدي الفقيه الذي يصلي بالناس، الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، استنكر تعلقي بالألوان.. وأعلن رسوماتي حراما ورذيلة..

     

    تعلمت أن أخبأ ألواني كما يفعل أخي الأكبر بمجلاته التي تعرض أجساد النساء.. والدتي توفر لي من مصروف البيت ثمن ورقة الرسم:

    -         كفاك رسما على الحيطان..

    وأتعلم أن أقترف خطيئتي بصمت على السطح بينما تنهمك هي في غسل الثياب..

    -         الله يتوب عليك يا بني من هذا الرسم.

     

     وعندما ضاق بي السطح، لجأت إلى المدينة الكبيرة علها تتستر عليّ كما فعلت مع بنت الحاج أحمد التي زنت مع بائع الذهب. المدينة الكبيرة تصيبني بالرهاب.. ترعبني السيارات الكثيرة والمارة المستعجلون.. بالكاد أغادر المحطة حيث رمت بي الحافلة.. أستوطن هامشا فيها.. أراوغ الشرطي، أقدم له لوحة هدية فلا يراني إلا حين يأتي رئيسه.. أرسم وجوه العابرين وأحذف منها العيون التي لا تراني.. أتشارك المسافرين وجباتهم الخفيفة، ألتقط ما يخلفونه فوق طاولات المطعم.. المدينة الكبيرة تمنحني الحب.. رأيتها تنزل من الحافلة مثقلة بالحقيبة، أخذت منها الحقيبة، وحين همت بوضع مبلغ ما في يدي، رجوتها أن تسمح لي برسمها..

     

    اللوحة الكاملة.. بحثت كل يوم عن تفصيل جديد وزاوية أخرى لأجل عينيها.. يوم أهديتها تحفتي، قالت بصوتها الناعم:

    - شكرا عزيزي، سأعتبرها هدية زفافي.. وأمام وجهي الخاوي من أي تعبير، أضافت، سأرسل لك الدعوة.. عليك أن تحضر سأعرفك بأشخاص يساعدونك..

    أنا وقتها لم أرد غير بعض الحب.. حملت ريشاتي وألواني وهجرت المدينة إلى مدينة أخرى، ومذ ذاك احترفت الهروب.. من هامش إلى آخر..

     

    هربت طويلا، واختزلت معالم الوجوه على لوحات خلفتها في المحطات التي عبرتها..

     

    والآن.. اختفت كل أشكال المدينة.. وحدها الألوان البهيجة ترافقني.. كأن قوس قزح قد امتد ليلفني.. أحاول أن أمد يدي المتهاوية لألمسها.. فتبدأ بالتلاشي.. وحده لون أخضر يبقى.. يلفني تماما.. فأتذكرني طفلا أصبغ  بعصارة نبات من حديقة أمي، وردا وزهرا على حائط البيت..

     

    أتذكرني، سعيدا، جميلا... أبتسمُ.. وإذ ذاك أرى الأرض تحتي قد اقتربت بينما أواصل سقوطي..

     .....

    - انتهى-