More servicesWindows Live
HomeHotmailSpacesOneCare
 
MSN
Sign in
 
 
Spaces home  نصوص فاطمة الزهراء الرغي...PhotosProfileFriendsMore Tools Explore the Spaces community

نصوص فاطمة الزهراء الرغيوي

لماذا أكتب؟

فاطمة الزهراء الرغيوي

View spaceSend a message
Location:
لماذا أكتب

أكتب..
أريق الحبر على ورق أبيض
ألطخه بحبر أزرق

أكتب..
أشكل الغيوم
سحابة هنا.. سحابة هناك
أنقش ذاكرتي على سطح الماء

أكتب..
كلماتي ليست حروفا مرتزقة
هي سليلة مجد عتيق..
أنتقيها حرفا.. حرفا
أرتبها.. اجندها
ثم ألقي بها إلى بحر الكلمات

أكتب..
إن التاريخ سيذكرني..
أنجبت آلاف الكلمات
و أنشأت سلالة جديدة..
تخلد الروح بالأحرف

أكتب..
إنني.. أنا.
موجودة البارحة واليوم و.. غدا.
May 07

نافذة

فسحتها الوحيدة، نافذة بشباك حديدي.. تعودت أن تقف أمامها لساعات طوال رغم اعتراض أبيها.. يأتي صوت الجدة، حادا:

-         هل نادى المؤذن على الصلاة؟

-         باقي.. تجيب بصوت غائب

 

وتواصل وقوفها هناك.. تخشبت رجلاها.. تغير زاوية الرؤية.. تلتفت إلى يمين الشارع.. تتابع حركة المارة، وتستنتج آخر أخبار الجيران..

 

منذ منعها والدها من متابعة الدراسة قبل سنوات، قلّت فرص احتكاكها مع الناس.. بالكاد تخرج مرة أسبوعيا للذهاب للحمام..

تلك الجارة كانت حاملا قبل أسبوع.. وهاهي تنزل من سيارة الأجرة برضيع بين يديها.. وصديقتها نورة التي تلتقي بها في الحمام، قد غادرت للتو لملاقاة حبيبها.. وعدها أن يتزوجها الصيف القادم..

 

هي، كانت تتوقع زيارة من أهل ابن البقال، لكنه أتى بعروس من قريته قبل شهرين.. أخبرتها نورة أن العروس صغيرة جدا ولا تعرف شيئا من أشغال البيت ولا ال....

 تحطم فؤادها حين دقت الطبول وارتفعت الزغاريد من بيت المجاور.. كان يشير لها بيده كلما وقفت أمام النافذة وكان أبوه غائبا.. بالكاد يرفع نظره حاليا، يساعد أباه بنشاط أكبر.. نورة نقلت إليها خبر حمل العروس..

 

-         أريد أن أشرب..

سحبها صوت أخيها الأصغر من تأملها، جلبت كأسا وملأتها.

-         ارفعيني لأنظر..

-         اذهب وشاهد التلفاز...

 

لكن الطفل يتشبث بثيابها.. يهددها بإخبار والدهما بوقوفها هناك.. تأتي بكرسي وترفعه فوقه.. ثم تتابع فرجتها.. تلك الجارة اشترت جلبابا جديدا، منذ "حرق" ابنها لأوروبا تحسنت أحوالها. يمل الصغير ويغادر منصة المشاهدة.. وتبقى هناك، تلتفت إلى الجهة الأخرى.. وتراه قادما.. هو ليس من الجيران. لم تره سابقا. أمعنت النظر إليه.. هو ليس متزوجا.. لا حاجة للبحث في يده عن خاتم، الفقراء لا يضعون خواتم الزواج.. شيء ما فيه أوحى لها بأنه عازب.. ربما تنسيقه لثيابه أو شعره المرتب.. لم تسعفها المسافة الفاصلة لترى وجهه بوضوح، لكنه بدا أكبر منها بسنتين أو ثلاث.. لقد اقتربت من الثلاثين، تزوجت شقيقتها الأصغر الصيف الماضي..

 

تزعجها نظرات الشفقة من الجارات في الحمام والكلام الجارح لزوجة أبيها..

 

لابد انه يعيل أمه وشقيقين.. لا مانع لها، ستقبل أن تخدمهم كما تفعل مع إخوتها وجدتها وزوجة أبيها.. معه سترزق بطفل أو اثنين لا أكثر.. تريد أن تربيهما جيدا وتعلمهما..

 

لم يرفع نظره إليها.. انشغل بكيس أسود يحمله... أشفقت عليه من ثقل الكيس.. ربما هو بائع متجول.. لا بأس، ستصبر معه إلى أن يرزقه الله بعمل أفضل... زوج خالتها كان مجرد مساعد بائع ثم اكترى الآن متجرا صغيرا في السوق وتحسنت أحوالهم مذ ذاك.

 

تقدم قليلا.. ثم توقف أمام حاوية القمامة، وضع الكيس الأسود، ورفع غطاء الحاوية.. رفع جسده  وانحنى قليلا داخلها يبحث في مكنوناتها..

 

ترقرقت دمعة في عينيها، بينما أخرج علب كولا ووضعها في الكيس وعاد يبحث في الحاوية.. راقبته ينقل غنيمته إلى الكيس ثم وهو ينطلق مبتعدا..

 

رأته يختفي تماما من أفق نافذتها، تراجعت تمسح دموعها.. أفزعها الصوت الجهوري لوالدها:

-         ألم أمنعك من الوقوف هناك؟ سأغلق تلك النافذة.. ويارب تموتوا خنقا..

 

أكمل صراخه ووعيده بينما هربت لاجئة إلى الغرفة التي تتشاركها مع جدتها.. ارتمت في الحضن الكبير واستسلمت للبكاء.. 

 

 

May 01

حالة سقوط

 

قلتُ: بسم الله.. الرحمن الرحيم.. ثم قدمت رجلي اليمنى.. تماما كما يجبُ..

لفحني تيار هواء بارد، تغلغل إلى مسامي كلها. أغمضت عيني.. لوهلة فقط. فتحتهما لأرى..

 

لا أذكر ما الذي أتى بي إلى هنا.. حاولت أن أتذكر، دون جدوى.. أي اسم أحمله، أي تاريخ أمتلكه، ما الدافع للحظة العبور هاته؟

 

تخلت عني الذاكرة.. حاولت أن أفكر بعقلانية، هل لخطوتي هذه أهمية، هل ستخلدني. ربما تطهرني من ذنوبي.. أو أنها تكون خطيئتي الأكبر؟

 

لم يسعفني ذراعي المتهاوي لأرسل تحية لطائر اعترض مساري.. قاومت انجرافي، ورسمت له في مخيلتي مكانا في الفردوس..

 

تذكرت.. لوحاتي على الرصيف .. ابتسامة دون وجه، جدول بدون ماء..

 

قال لي متعهد ما:

-         أرسم لوحات الفنتازيا والفلكلور.. نساء تقليديات ووجوه ملوحة بالشمس.. هذا ما يطلبه السياح..

 

لكن الريشة كانت تأبى أن تطاوع جوعي.. مذ أصابتني باللعنة وأنا أعيش على الهامش.. كل ذنبي أني أردت تخليد الوجوه الكئيبة لسكان المدينة على أسوارها.

 

والدي الفقيه الذي يصلي بالناس، الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، استنكر تعلقي بالألوان.. وأعلن رسوماتي حراما ورذيلة..

 

تعلمت أن أخبأ ألواني كما يفعل أخي الأكبر بمجلاته التي تعرض أجساد النساء.. والدتي توفر لي من مصروف البيت ثمن ورقة الرسم:

-         كفاك رسما على الحيطان..

وأتعلم أن أقترف خطيئتي بصمت على السطح بينما تنهمك هي في غسل الثياب..

-         الله يتوب عليك يا بني من هذا الرسم.

 

 وعندما ضاق بي السطح، لجأت إلى المدينة الكبيرة علها تتستر عليّ كما فعلت مع بنت الحاج أحمد التي زنت مع بائع الذهب. المدينة الكبيرة تصيبني بالرهاب.. ترعبني السيارات الكثيرة والمارة المستعجلون.. بالكاد أغادر المحطة حيث رمت بي الحافلة.. أستوطن هامشا فيها.. أراوغ الشرطي، أقدم له لوحة هدية فلا يراني إلا حين يأتي رئيسه.. أرسم وجوه العابرين وأحذف منها العيون التي لا تراني.. أتشارك المسافرين وجباتهم الخفيفة، ألتقط ما يخلفونه فوق طاولات المطعم.. المدينة الكبيرة تمنحني الحب.. رأيتها تنزل من الحافلة مثقلة بالحقيبة، أخذت منها الحقيبة، وحين همت بوضع مبلغ ما في يدي، رجوتها أن تسمح لي برسمها..

 

اللوحة الكاملة.. بحثت كل يوم عن تفصيل جديد وزاوية أخرى لأجل عينيها.. يوم أهديتها تحفتي، قالت بصوتها الناعم:

- شكرا عزيزي، سأعتبرها هدية زفافي.. وأمام وجهي الخاوي من أي تعبير، أضافت، سأرسل لك الدعوة.. عليك أن تحضر سأعرفك بأشخاص يساعدونك..

أنا وقتها لم أرد غير بعض الحب.. حملت ريشاتي وألواني وهجرت المدينة إلى مدينة أخرى، ومذ ذاك احترفت الهروب.. من هامش إلى آخر..

 

هربت طويلا، واختزلت معالم الوجوه على لوحات خلفتها في المحطات التي عبرتها..

 

والآن.. اختفت كل أشكال المدينة.. وحدها الألوان البهيجة ترافقني.. كأن قوس قزح قد امتد ليلفني.. أحاول أن أمد يدي المتهاوية لألمسها.. فتبدأ بالتلاشي.. وحده لون أخضر يبقى.. يلفني تماما.. فأتذكرني طفلا أصبغ  بعصارة نبات من حديقة أمي، وردا وزهرا على حائط البيت..

 

أتذكرني، سعيدا، جميلا... أبتسمُ.. وإذ ذاك أرى الأرض تحتي قد اقتربت بينما أواصل سقوطي..

 .....

- انتهى-

April 22

ضحك وبكاء واعتراض

متى أضحك أخيرا؟

متى أستسلم لنوبة ضحك ترخي عضلات الوجه والقلب معا؟

وقد أنسى حينها للحظات وجع الفقدان والألم والخيانة والوحدة الموحشة؟ وربما لوهلة، أثناء استسلامي للقهقهة، قد أستعيد شيئا من طفولتي.. وربما أتذكر طعم القبلة الأولى.. او  يد والدتي الدافئة عندما كانت تمسد شعري..

لكن الضحك أصبح عملة نادرة في واقعي.. أحاول أحيانا، دون جدوى.

أقف أمام المرآة، و آمرني بالضحك.. بكلتا يديّ، أبعد شفتيّ.. وأحاول إخراج صوت قوي.. فلا أسمع إلا الصمت..

يبقى فمي مفتوحا إلى أن يؤلمني فأستسلم وأطبقه..أطبقه عن الضحك وعن الكلام..

 

أصرخ  كثيرا وطويلا.. جيراني حفظوا صوتي العالي وأعلنوا انزعاجهم.. لكنني تحديتهم.. أنا موجودة بينهم، لذا عليهم أن يسمعوا صراخي..

-         لا تفعلي، تردد جدتي بصوتها الأكثر صرامة.. الفتاة لا تضحك عاليا.. إنها تبتسم، فقط..

أضحك أعلى وأسألها:

-         لما؟

جدتي لم تكن تملك كل الإجابات. كانت تعلم فقط ، ما الصحيح وما الخطأ. وحين كانت تضيق علي نطاق حريتي بما يجب ولا يجب، كنت أصرخ عاليا.. لا.

لا.. كانت كلمة سهلة..  كنت أنطقها ببساطة تماما كما أسأل  " لما.. "

 

 وإذا توجب الأمر، كنت أبكي.. البكاء وقتها كان هينا أيضا.. كنت أترك الدموع تنساب كلما أردت.. يكفي أن أشاهد فيلما أو أن يرشقني أخي بكلمته المعتادة :

-         أنتِ طفلة مدللة

 .... بعدها أقهقه عاليا ساخرة من حساسيتي المفرطة..

الآن هجرتني الدموع .. أستغل أي مناسبة لاجتذابها .. لكنها تقاوم ..

" أجدني " الآن مفرغة من عواطف أساسية.. أنا التي أكره صفة الحياد..

وجودي أصبح مشكوكا به. فمقدم الحي رفض تسليمي شهادة السكنى، لأنه لم يتوصل بشكوى عني، والجيران يعتقدون أنني سافرت.. وحبيب سابق اعتقد أنني هاجرت..

وأنا مازلت هنا، في نفس الدار.. ألملم ما تبق من عواطفي، وإن كنت الآن..

لا أسأل.. ربما لأنني فقدت الإيمان بوجود أجوبة منطقية لكل شيء..

ولم أعد أعترض.. ربما لأنني " تركتني " أنجرف مع التيار..

ولم أعد أضحك.. لأنني فقدت القدرة على البكاء..

                                                                              

كلمة مستعصية على الفهم

لو أن الكلمة المنقوشة على طاولتها المدرسية لم تحدث كل ذلك اللغط والاهتمام من قبل زملائها في الفصل، لما اهتمت لبنى للأمر. علي، الذي يشاركها الطاولة، ومن نقش الكلمة عليها، هو أول من أثار انتباهها بأن هناك شيئا مريبا.  رفض أن يخبرها عن معنى الكلمة، ثم إنه كان غالبا ما يخفيها بدفاتره. لابد أن الكلمة خطيرة جدا. لكنها بلغة غريبة. أربعة حروف لاتينية فقط، استعصت على الفهم.

 

أولا، سألت لبنى صديقاتها المقربات. لكنهن مثلها لم يدركن معنى الكلمة. وحين أعلن زميلها سمير أنها كلمة "حشومة" و"عيب" ، انفضت الصديقات عن لبنى... وبشكل ما حملت الفتاة عار الكلمة المنقوشة على طاولتها. اعتزمت أن تعرف الحقيقة من علي مهما كلفها الأمر، فهو أصل البلاء.. لكنه لاذ بالصمت.. أصرت أكثر، فاعترف أخيرا أنه نقل الكلمة من دفتر أخيه الأكبر الذي يدرس في الثانوية، لكنه لا يعرف معناها!

 

استمر الاهتمام بالكلمة اللغز لبضعة أيام، ونافس إعلان زواج زميلتهم نادية، التي وإن كانت كبرى بنات الفصل إلا أنها لم تتجاوز الرابعة عشر عاما..

 

ثم  كان على الأستاذ أن ينتبه للأمر. حين توقف أثناء شرحه الدرس، أمام طاولتهما. حاولت لبنى إخفاء الكلمة بكتابها، بينما انزوى علي خلف وجه ملائكي مخادع تماما كما يفعل شقيقها الأصغر حين يكسر شيئا..

 

-         ماذا تخفين هناك؟ سأل الأستاذ. ألم أمنعكم من الكتابة على الطاولات..

 

وإذ أزاح دفترها، اعتلت وجهه نظرة التجهم وعلمت لبنى أنها في مأزق.

-         لم اكتبها، أستاذ.

-         إنها طاولتكما.. رد موجها حديثه لها ولزميلها . إذا لم تخبراني عمن كتبها ستعاقبان.

-         لست أنا، قال علي بصوت متوسل.

 

تطلعت لبنى إليه مترددة ثم رددت ذات الجملة.

 

تحملت رفقة زميلها العقاب. ونظفت الطاولات وهي مصممة على معرفة معنى الكلمة..

حالما وصلت مساءا للبيت توجهت إلى شقيقتها الكبرى تسألها عن معنى الكلمة بصوت خافت وبعد أن استحلفتها أن لا تخبر والديهما.. هي تثق بمعرفة شقيقتها بكل الأمور.

 

-         أهذا ما تتعلمين في المدرسة؟ من علمك هذه الكلمة، قولي.. إذا رددتها مرة أخرى سأعلم أبي وسأبلغ المعلم..

 

 بالكاد فلتت لبنى من غضب شقيقتها.. لكنها لم تعلم معنى الكلمة. راودتها الأربع أحرف في الحلم، واستيقظت مرتعبة.. لا بد أن تعرف معناها..

 

شغلتها الكلمة الغريبة طويلا.. وأخيرا اهتدت إلى حل، حين ذهبت إلى المكتبة العامة لإجراء بحث طلبه المعلم.. هناك، أخذت القاموس وبحثت عن الكلمة..  .وأخيرا وجدت شرحا لها:

 

LOVE .. الحب..

April 05

هو والنساء

 

أتت الفتاة مبتسمة، إليه:

-         هل تسمح بصورة مع كل الأسرة؟

 

دفعت فتحة ابتسامته ملامح الحزن عن وجهه، وأخذتها بعيدا إلى عينيه. هو لا يحب شكله في الصور وغالبا ما يخبأها في درج وينساها هناك.. وليد يتشبث به مطالبا إياه برفعه بين ذراعيه، ويأخذه ضاما إياه بقوة.. وليد ابنه الوحيد.. قد لا يدرك الأمر.. قد لا يسامحه حين يكبر.. ستتغير الأمور غدا.

 

يلمح الابتسامة المرتبكة للعروس.. يشعر بالفخر.. وبالخوف عليها. حذره صديقه أحمد، وهما يحتسيان فنجاني القهوة المعتادين على قارعة المقهى بينما يتابعان باهتمام أجساد المارات:

 

-         تزوج ابنتك فتشعر أنها تغتصب منك.. هي من نسائك، فكيف تسلمها لرجل آخر؟ لقد بكيت بحرقة يا أخي، تماما كالطفل.. بينما أخذوا صغيرتي مني.. أمها احتارت كيف تواسيني..

 

لكن كلمات صديقه لم تلمس كل رعبه.. هاهو ينظر إلى لمياء تزف إلى ذاك الفتى المختال كالديك.. منذ البداية أعرب عن اعتراضه.. أصرت زوجته بصوتها الحاد الذي توفره لمناسبات خاصة..

 

-         إنه طبيب.. احمد الله واشكره.. لأن ابنتك منيت بعريس مثله..

 

وما همه هو إن كان ذاك الديك الرومي، طبيبا؟

كم يكره جلسات التصوير.. تبع توجيهات الفتاة المصورة، ووقف متوسطا ابنته والديك.. ثم ابتعد بينما وضع الآخر يديه حول العروس.. تطلع ببؤس إليهما وهمّ بالاعتراض.. لكن صوت زوجته أوقفه..

 

-         أظنك في حاجة لسيجارة، ودفعت به إلى الباب الخارجي.. وهي توجه إليه التعليمات..

-         لا تنس أن ترحب بعائلة العريس.. وابتسم قليلا لأجل ابنتنا..

 

اندفع خارجا إلى الحديقة، وتوارى خلف شجرة وهو يحسد زوجته على رصانتها.. لقد احتضنها طويلا في الليلة المنصرمة بينما استرسلت تبكي ..

 

-         كبرنا يا محمد.. ها نحن نزوج ابنتنا الأولى..

 

يشعل سيجارة ثانية.. خمس بنات ليرزقا أخيرا بوليد.. حاول أن يتخيل نفسه واقفا أمام ذات الشجرة يدخن سجائر أخرى.. أربع كوابيس تنتظره..

 

بيد أن فتاة أخرى، لا أب لها، اقتحمت خلوته.. غدا لن تبق الأمور على حالها، سيكون هو العريس..

 

أتى وليد يخبره أنهم يطلبونه في الداخل.. عند الباب، اعترضت طريقه فتاة مدثرة بقفطان ومرصعة بالجواهر.. لون شفتيها الدامي ذكره بالأخرى.. تلك  الدافئة.. لم يستسلم لحضن امرأة كما فعل في حضنها، منذ هجرته أمه إلى رجل آخر.. وحدها أنسته خيبة الأمل، حين استيقظ في صباح باكر ليجد نفسه وحيدا مع جديه.. وحدها سوسن، احتضنت روحه، ولملمت الدموع عن وجه ذاك الطفل الحزين.. إسمها ينسيه كل بؤسه. وفجأة يتذكر أن يداعبها..

 

-         ألم تكتفي؟

-         وكيف اكتفي منك؟ إنك تعيدين لي روحي..

 

فتشرع من جديد في اكتشاف جسده.. بينما ينطلق الطفل الصغير فيه،  فرحا لاكتشاف لعب لم يتخيلها يوما..

 

تتأبط ابنته الصغرى ذراعه وتجره بفرح لجلسة تصوير أخرى.. يبتسم بسهولة بينما تنساب أمام عينيه سوسن عارية، ترفع الستارة.. لم يحل الظلام بعد، هل تبق معي قليلا؟ وتعود إليه تفتح الأزرار التي بالكاد قد أقفلها وتنزع عنه قميصه، هل شبعت مني؟

 

يفقد ابتسامته فجأة، إذ يلمح طيف أمه قادما.. من دعاها؟ لابد أنها زوجته التي تحاول كعادتها إرضاء الجميع.. قلبها الطيب يستهلك كل حواجزه.. تصالحه مع الجيران ومع محمد البقال الذي يزيد التسعيرة كما يشاء.. لاشك أنها محاولتها الأخيرة لمد أصر التواصل..

 

-         هكذا يا بني، تزوج ابنتك ولا تخبرني؟ تبادره بعتب واضح..

 

لكنه يدير وجهه بعيدا وينصرف بحجة استقبال أحد الوافدين.. ابتعد دون أن يسلم على زوجها الواقف بجانبها.. تمنى لو أنه لم يكن فظا.. لكن خطواته دفعت به إلى حجرة فارغة، ليلعن الليلة كلها..

 

-         ما بك؟ ألا تستقبل أمك وزوجها؟ راعي فرحة ابنتك على الأقل والضيوف الموجودين.. ألا يمكنك نسيان غضبك لليلة واحدة..

 

استدار ليتطلع بدهشة لوجه زوجته الغاضب.. لا يتذكرها ترفع صوتها عليه. لكنه يعلم كم تهتم بالمظاهر وبإبداء الأسرة في أفضل صورة.. ذكرته بدجاجة تحمي فراخها..

 

-         لم أطلب منك دعوتها.. رد بانفعال..

-         لا، لم تفعل. لكن من حقها حضور زفاف حفيدتها الأولى.. أما آن لغضبك أن يزول؟

-         ولن يزول..

 

حين تراجعت إلى الباب وتأكدت من إغلاقه جيدا، تبادرت إليه صورة إحدى البنات خارجة من غرفة الضيوف، غرفة التأنيب، كما يسمينها، مطأطئة الرأس..

 

-         ستخرج الآن،  وتقبل يدي أمك وترحب بزوجها.. وستلازمهما طوال السهرة..

-         يا امرأة، لن ترغميني على شيء... لن أسلم عليها وذاك العاهر..

-         ليس عاهرا، بل هو زوجها.. حين توفي والدك كانت صغيرة ولم يكن بيدها خيار آخر غير تركك مع جديك الذين دللاك أكثر من اللازم.. أكثر من أخويك الذين تربيا في حضن أبيهما..

-         لم يكن عليها الزواج في الأصل..

-         ولم؟

-         ولم تسألين؟ هل إذا مت اليوم ستتزوجين، غدا؟ رد بعنف متفاديا الإجابة..

 

وللحظة عم الصمت أرجاء الحجرة.. التفت مستغربا.. بدت شاحبة.. هادئة..

 

-         لم تمت بعد، لكنك توشك أن تكون كذلك بالنسبة لي.. إذا سمعت أنك زرت تلك السوسن العاهرة مرة أخرى.. أقسم أن أرتمي في حضن أول رجل ألاقيه.. سأدعي أنني أرملة وسأعهر بهذا الجسد الذي لم يمسه غيرك..

 

لوهلة تصورها تعرض جسدها المكتنز الذي بدأ يمتلأ أخاديدا، على غيره.. لم يعد يشتهيه كالبدء، حين كان يقتنص فرص غياب الأولاد لتربص بها وليرتوي من حنانها.. كانت تقف بوجه واجم مغلق أمامه.. حاول تخيل يد أخرى تحط على صدرها الذي يرتفع ويهوي سريعا أمامه.. شعر بالرعب.. عادت إليه صورة ذلك الطفل الباكي وهم يخبرونه أن أمه أصبحت ملك رجل آخر... ليس مرة أخرى!.. اندفع إليها رافعا يديه إلى عنقها.. لكنها بقيت واقفة هناك وبصوت غاضب أوقفته..

 

-         لا تجرأ على لمسي.. لست أمك التي عاقبتها كل هذا العمر.. أنا زوجتك.. امرأتك الوحيدة.. إن تزوجت الأخرى، سأستبيح لي رجلا آخر.. وإن قتلتني الآن، سأفوز أيضا.. إذ ستدفن حيا في سجن ما،  بعيدا عن كل النساء..

 

توقف مصدوما بجرأتها.. ليست تلك الحنونة التي يعرفها.. بقي واقفا هناك،  بينما غادرت الغرفة بعد أن رتبت قفطانها في هدوء..

 

بعد قليل تبعها، قبل يد أمه، رحب بزوجها، وابتسم للديك بينما قاوم تدفق صور سوسن شيئا فشيئا..

 

 

March 26

متاهة العشق أو أنت وأنا.. وأنت

 

 

 

على الهاتف، هذا الصباح، كنت كعادتك عابثا.. مم تهرب؟

 مني، أم من الأخريات؟

 

لابد أنك تهرب من نفسك.. تراوغ  لتهرب من خوفك.. لست إلا امرأة.. لست جنية لأسحرك ولا ملكة لأسلط عليك حراسي.. لا أملك إلا هذا الجسد.. ليس كاملا.. ربما جنوني يعطيه ألقا  لا تملكه الأخريات...

 

أنهيت الاتصال وأنا أتساءل كيف انتهى بي الأمر، عاشقة لرجل عابث؟

لدون جوان يخاف التورط في هواجسه فيعبث بأجساد النساء؟

 

لم خوفك؟

هل آتي إليك لتعرف أني لا أشكل تهديدا؟ هل أشاركك كأسك لأسلمك مقاليد جنوني؟

أم ادعوك إلي؟ ليتعرف إليك الجميع؟ وأعلن للملأ أنني انضممت إلى عبثك؟

 

تراودني صورنا معا ,أخاف أن يراها على وجهي زملاء العمل.. أنسخ الأوراق التي طلبها رئيسي، وأتذكرك تكتب على جسدي كلمات أخرى.. أينك الآن؟ ماذا يشغلك عن عبثنا؟

 

-         سامية، أين التقرير الذي طلبته؟

 

رئيسي، شارد كعادته عني ..ألا يرى جنوني .. ألم يلمس سحري .. أسلمه التقرير هو منشغل بقراءة الأرقام وأنا به، عنك.  

هو أيضا دون جوان.. أتساءل كيف له كل تلك النساء.. ثم ألحظ يديه، كبيرتين، نديتين، دافئتين..

 

 كنت سأنمو بين يديك، لم أبعدتني؟ أنظر إلى رئيسي وهو يغادر إلى مكتبه.  بينما يضع فؤاد ملفا آخر فوق مكتبي ..

أقول معترضة حالما ينصرف رئيسنا..